أخبار اليوم - راشد النسور - مع اقتراب عيد الأضحى في الأردن، يعود الحديث في الشوارع والأسواق وداخل البيوت عن الأضحية، لكن هذا العام يبدو الحديث مختلفاً وأكثر ثقلاً. فالشعيرة الدينية التي ارتبطت لعقود بالفرح والتكافل الاجتماعي أصبحت بالنسبة لكثير من الأردنيين عبئاً مالياً يفوق قدرتهم، في ظل ارتفاع الأسعار، وضعف الرواتب، واتساع دائرة البطالة والفقر.
في أسواق المواشي في عمّان، تبدو الحركة أبطأ من المعتاد، بينما يقف المواطنون أمام الحظائر يسألون عن الأسعار ثم يغادر كثير منهم دون شراء. ويقول أحد التجار إن أسعار الأضاحي ارتفعت هذا العام بسبب زيادة تكاليف الأعلاف والنقل والعناية البيطرية، موضحاً أن سعر الخروف يتراوح بين 220 و450 ديناراً بحسب النوع والوزن، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر الأردنية.
أبو أحمد، وهو موظف حكومي وأب لخمسة أبناء، يقول إن العيد لم يعد كما كان في السابق، مضيفاً: “راتبي بالكاد يكفي الإيجار والفواتير والطعام، والأضحية أصبحت تحتاج إلى قرض أو دين”. ويشير إلى أنه اعتاد كل عام شراء أضحية كاملة، لكن الظروف الاقتصادية دفعته هذا العام للتفكير بالاشتراك مع أقاربه في أضحية واحدة أو الاكتفاء بشراء بعض اللحوم.
أما أم محمد، وهي أرملة تعيش في مدينة الزرقاء، فتقول إن أكثر ما يؤلمها هو نظرة أطفالها عندما يسألون عن الأضحية والعيد، مؤكدة أن همّها الأكبر أصبح تأمين الاحتياجات الأساسية للمنزل، بينما تحولت شعائر العيد إلى أمنيات مؤجلة لدى كثير من العائلات محدودة الدخل.
شباب عاطلون عن العمل يرون أن الحديث عن الأضحية بالنسبة لهم أصبح أقرب إلى “الترف”، في ظل غياب فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة. ويقول أحدهم: “نحن نفكر كيف نؤمن مصاريفنا اليومية قبل التفكير بالأضحية أو حتى بملابس العيد”.
ويرى خبراء اقتصاديون أن تراجع قدرة الأردنيين على شراء الأضاحي يعكس أزمة اقتصادية أوسع تعيشها الطبقة الوسطى والفقيرة، في ظل تآكل القدرة الشرائية وثبات الأجور مقابل ارتفاع مستمر في الأسعار. ويؤكد مختصون أن الأولويات داخل الأسرة الأردنية تغيرت خلال السنوات الأخيرة، فأصبحت النفقات الأساسية مثل الإيجار والطعام والكهرباء تتقدم على كثير من المناسبات والشعائر الموسمية.
ومن الجانب الديني، يؤكد رجال دين أن الأضحية سنة مؤكدة وليست فرضاً على غير القادر، مشددين على أن الإسلام لا يكلّف الإنسان فوق طاقته. ويقول أحد الأئمة إن الحفاظ على كرامة الأسرة وعدم تحميلها ديوناً فوق قدرتها أولى من الضغط على النفس من أجل أداء الشعيرة، داعياً في الوقت نفسه إلى تعزيز قيم التكافل الاجتماعي ومساعدة الأسر المحتاجة خلال العيد.
كما تشير جمعيات خيرية إلى ارتفاع أعداد العائلات التي تنتظر حصص اللحوم والمساعدات الغذائية خلال موسم العيد، بعد أن أصبحت غير قادرة على شراء الأضحية بنفسها. وتؤكد هذه الجمعيات أن الطلب على المساعدات يزداد عاماً بعد عام مع تراجع الأوضاع الاقتصادية.
وبين تمسك الأردنيين بشعائرهم الدينية ومحاولتهم الحفاظ على فرحة العيد، وبين واقع اقتصادي صعب يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية، يبقى السؤال حاضراً في كل بيت: هل أصبحت الأضحية في الأردن شعيرة فوق طاقة الناس المادية، أم أن التكافل الاجتماعي ما زال قادراً على إبقاء فرحة العيد حية رغم كل الظروف؟