عدتُ إلى عمّان بعد غيابٍ طويل، وظننتُ أن المدن تحتفظ بأهلها كما تركناهم. لكن المدينة كانت أصدق مني؛ استقبلتني كما هي، بينما كنتُ أنا العائدة الوحيدة التي لم تعد كما كانت.
كانت جبالها السبعة تتكئ بعضها على بعض في هدوءٍ يشبه الحكمة، وكانت البيوت البيضاء تستريح تحت ضوء المساء، فيما يتسلق الياسمين الأسوار القديمة كأنه يحاول إقناع الزمن بأن بعض الأشياء تستحق البقاء.
كان كل شيء جميلًا... إلى الحد الذي يؤلم.
وما إن سرتُ في أحد الشوارع التي كنت أعبرها يومًا، حتى سبقت الدموع عيني. عندها أدركت أن للأماكن قلبًا لا ينسى. أرصفةٌ ما زالت تحفظ وقع خطوات أبي، ونوافذ تنتظر ابتسامة أمي، وزوايا يختبئ فيها صوت أخي محمود، ومقاعد لا تزال تتسع لغياب علاء أكثر مما تتسع للحاضرين.
هناك فهمت أن الفقد لا يبدأ حين يرحل الأحبة، بل حين نعود إلى الأمكنة التي كانت تكتمل بهم. فالأماكن لا تفقد أحدًا... نحن الذين نفقد أنفسنا فيها.
أيها الراحلون...
ما زلت أحدثكم بصمتٍ لا يسمعه سواي. أبتسم أحيانًا لأن ذكرى صغيرة مرّت بي، ثم أبكي لأن الذكرى وحدها عادت، أما أنتم فلا. لقد مضى الزمن كما ينبغي له أن يمضي، إلا قلبي؛ ما زال واقفًا عند آخر وداع، كأن بعض اللحظات لا تتحول إلى ماضٍ مهما تعاقبت عليها السنوات.
وبينما كنت أمشي، جاءني صوتك من الصين.
قلتَ بهدوء: سأعود الأحد المقبل، وعندها سنلتقي.
لا تعلم كيف تستطيع جملة قصيرة أن تعيد ترتيب روحٍ كاملة. لم أشعر أن أحدًا سيعود من سفر، بل شعرت أن نافذة ستنفتح في داخلي بعد طول انغلاق. لا أعلم أن كنت قد اشتقت إلى فكرك أكثر مما اشتقت إلى حديثك، او إلى حكمتك أكثر مما اشتقت إلى حضورك. لكني اعي تماما ان بعض الناس قد يمنحوننا أجوبة، أما أنت فكنت تمنحني طريقةً أهدأ للنظر إلى الحياة.
اشتقت إليك...
ليس لأن المسافات بيننا طويلة، بل لأن بعض الأرواح، إذا اعتادت أن تتشارك الفكرة، صار الصمت بينها أكثر ضجيجًا من الكلام.
لقد أخذ الموت ما أخذ، وأخذت الغربة ما تبقى من اللقاءات. ولم أعد أطمع من الحياة إلا بلحظةٍ صادقة نجلس فيها كما كنا، دون أن نستعجل الوقت، ودون أن نخاف مما قد يأخذه الغد.
واليوم أدرك أن الوطن ليس جبال عمّان، ولا بيوتها البيضاء، ولا شوارعها التي أعشقها.
الوطن هو أنت والله...
انت فقط حين كنت تذكرني أن الفكر هو أجمل ما يمكن أن يهديه إنسانٌ لإنسان.
ولهذا أبكي كلما مررتُ في شوارع عمّان.
ليس لأن المدينة تذكرني بمن رحلوا...
بل لأنني، كلما لامست حجارتها، التقيت بالإنسانة التي كنتُها معك...
ثم أكملت الطريق وحدي.
فاطمة جبارة