زيارة جلالة الملك إلى الصين .. من توازن العلاقات إلى بناء القوة الأردنية

mainThumb
زيارة جلالة الملك إلى الصين.. من توازن العلاقات إلى بناء القوة الأردنية

18-08-2026 12:08 PM

printIcon
العميد الركن (م)
صالح الشرّاب العبادي

قراءة عسكرية استراتيجية في ما بعد الزيارة

اتركوا التحليل الاقتصادي والمالي والتجاري، واتركوا تفاصيل الاتفاقيات في مجالاتها لأهل الاختصاص؛ فأنا، كمحلل عسكري، سأقف عند زاوية مختلفة من هذه الزيارة، وأقدم قراءة مختصرة لأثرها من الناحية العسكرية، ولما يمكن أن تفتحه من آفاق استراتيجية مستقبلية للأردن.

فزيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية لا ينبغي أن تُقرأ فقط في حدود ما أُعلن عنها من ملفات واتفاقيات، وإنما يجب النظر إليها من زاوية أوسع: ماذا يمكن أن تعني هذه العلاقة للقوة الوطنية الأردنية، وللأمن القومي، وللتكنولوجيا والصناعات الدفاعية خلال السنوات المقبلة؟

الأردن، خلال خمسين عاماً من العلاقات الدبلوماسية مع الصين، لم يبنِ علاقة تقوم على الاصطفاف أو المحاور، بل حافظ على سياسة خارجية متوازنة، تقوم على الاحترام المتبادل وتنويع الشراكات ، ولذلك فإن الانفتاح على الصين لا يعني ابتعاداً عن الحلفاء التقليديين، وإنما يعني توسيع الخيارات الأردنية وتعزيز القدرة على المناورة الاستراتيجية.

ومن المنظور العسكري تحديداً، تكتسب الزيارة أهمية استثنائية؛ فالصين لم تعد قوة اقتصادية وصناعية فحسب، وإنما أصبحت دولة تمتلك قاعدة دفاعية متكاملة تشمل الطائرات المقاتلة والشبحية، والطائرات غير المأهولة، والصواريخ، والراجمات، والمدفعية، والمدرعات، ومضادات الدروع، والدفاع الجوي، والرادارات، والحرب الإلكترونية، والسفن الحربية والغواصات، إلى جانب قدرات متقدمة في الفضاء والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات.

ماذا يمكن أن نبني بالشراكة مع الصين ؟

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للعلاقة.

فقد سبق الزيارة مسار دفاعي واضح؛ إذ بحث رئيس هيئة الأركان المشتركة في شباط الماضي مع شركة NORINCO الصينية تطوير التعاون في الصناعات الدفاعية، وتبادل الخبرات الفنية والتكنولوجية، والاطلاع على التطورات في التصنيع العسكري. وهذا يعني أن الباب لم يعد نظرياً، وإنما أصبح مفتوحاً أمام انتقال التعاون إلى مستويات أعمق.

والأردن لا يحتاج إلى أن يصبح مستورداً دائماً للمنظومات الدفاعية ، لديه القوات المسلحة، والخبرة العملياتية، والكوادر الهندسية، والمركز الأردني للتصميم والتطوير، وهي قاعدة يمكن البناء عليها لنقل العلاقة من الشراء إلى التصنيع، ومن الاستخدام إلى التطوير، ومن المنتج إلى المعرفة.

وهنا تبرز الأنظمة غير المأهولة ومكافحة المسيرات، والاستشعار والرادارات، والاتصالات والقيادة والسيطرة، والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، باعتبارها مجالات أكثر أهمية من مجرد امتلاك منصة عسكرية منفردة ، فالحرب الحديثة لم تعد مواجهة سلاح بسلاح، وإنما مواجهة شبكات معلومات وقرارات وقدرات تكنولوجية.

وتبرز كذلك الخبرة الصينية في الطائرات المقاتلة والشبحية، والصواريخ والراجمات، والمنظومات المضادة للدروع، والسفن الحربية، ليس بالضرورة بوصفها قائمة مشتريات، وإنما بوصفها دليلاً على عمق القاعدة الصناعية والتكنولوجية الصينية التي يمكن للأردن أن يستفيد منها في التدريب، والصيانة، والبحث والتطوير، والتصنيع المشترك ونقل المعرفة.

أما البعد الاستراتيجي الأوسع، فيتمثل في أن الصين دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وقوة دولية ذات تأثير متزايد، والأردن دولة محورية في منطقة مضطربة؛ ومن ثم فإن توثيق العلاقة معها يمنح عمان مساحة إضافية في السياسة الدولية، وفي الوقت نفسه يتيح لبكين شريكاً مستقراً وموثوقاً في منطقة ذات أهمية استراتيجية.

ولا ينبغي أن تتحول العلاقة مع الصين إلى تبعية جديدة؛ فالقوة الأردنية تكمن في تعدد الشراكات لا في استبدال شريك بآخر ، فتنويع مصادر التكنولوجيا والمعرفة يمنح الأردن هامشاً أكبر في القرار، ويقلل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للزيارة لن يكون في عدد الاتفاقيات التي ستوقع، وإنما فيما سيبقى بعدها داخل الأردن: مصنع، مركز أبحاث، مهندسين وخبراء مدربين ، تكنولوجيا منقولة، قدرة صيانة وتحديث، منتج دفاعي أردني، أو منظومة جرى تطويرها بأيادٍ وعقول أردنية.

وهنا أصل إلى جوهر القراءة العسكرية:

الصين تستطيع أن تمنح الأردن التكنولوجيا، لكن المطلوب أن يحول الأردن التكنولوجيا إلى قدرة.

فالذي يشتري السلاح يحمي حاضره؛ أما الذي يمتلك المعرفة والتصنيع والتطوير فيبني أمن مستقبله.

ومن هنا فإن زيارة جلالة الملك إلى الصين ليست في جوهرها سؤالاً عن ما الذي ستعطيه الصين للأردن؟ وإنما سؤال أردني أكثر عمقاً:

ماذا يستطيع الأردن أن يبني من خلال هذه الشراكة؟

فإذا نجح الأردن في تحويل العلاقة الصينية من علاقة مستورد ومصدر إلى علاقة شريك وشريك، فإن زيارة الملك لن تكون مجرد محطة في تاريخ العلاقات الأردنية الصينية، بل قد تصبح إحدى محطات بناء الاستقلال التكنولوجي والقدرة الدفاعية الأردنية في العقد المقبل.