أخبار اليوم - تالا الفقيه - يواجه مزارعو البندورة في الأردن واحدة من أكثر مراحل الموسم الزراعي قسوة، مع تفاقم الفائض في الإنتاج إلى مستويات تهدد بتحويل المحصول من مصدر دخل للمزارعين إلى عبء ثقيل لا يجد طريقه إلى الأسواق، وسط تقديرات بأن يصل الفائض اليومي إلى نحو 800 طن، في مشهد يضع القطاع الزراعي أمام أزمة تتجاوز حدود العرض والطلب لتلامس صميم الأمن الغذائي واستدامة الإنتاج المحلي.
المشكلة لم تعد في حجم الإنتاج وحده، بل في غياب القدرة على تصريفه بالسرعة التي يفرضها محصول سريع التلف. فالبندورة التي تُقطف اليوم لا تحتمل انتظاراً طويلاً بحثاً عن مشترٍ، وأي تأخير في تسويقها يعني تراجع قيمتها وتحولها خلال وقت قصير من محصول قابل للبيع إلى خسارة مباشرة يتحملها المزارع وحده.
ومع تدفق كميات كبيرة إلى الأسواق، يتعرض السعر لضغوط حادة، فيما يجد المزارع نفسه محاصراً بين كلفة مرتفعة تكبدها طوال الموسم من مياه وأسمدة ومبيدات وأجور وعمالة ونقل، وبين سعر سوق لا يعكس في كثير من الأحيان حجم ما أنفقه لإنتاج كيلوغرام واحد من المحصول. وفي نهاية هذه المعادلة المختلة، تكون الخسارة من نصيب المنتج، بينما تستمر حلقات التسويق في تحديد مصير المحصول وسعره.
ويحذر مزارعون من أن استمرار المشهد بهذه الصورة قد يدفع كثيرين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن زراعة البندورة في المواسم المقبلة، وهو ما يعني أن أزمة الفائض الحالية قد تتحول لاحقاً إلى أزمة نقص وارتفاع أسعار إذا فقد القطاع توازنه وأصبح الإنتاج المحلي غير مجدٍ اقتصادياً.
وتكشف أزمة الفائض، في جوهرها، عن خلل أعمق في منظومة التخطيط الزراعي؛ إذ لا يكفي أن ينجح المزارع في إنتاج كميات وفيرة من الغذاء إذا لم تكن هناك منظومة قادرة على استيعاب الإنتاج وتخزينه وتصنيعه وتسويقه محلياً وخارجياً. فالوفرة التي يفترض أن تكون مكسباً للاقتصاد والمستهلك يمكن أن تتحول، في غياب التخطيط، إلى خسارة جماعية.
وهنا تبرز الحاجة إلى تحرك عاجل لا يقتصر على معالجة الفائض الحالي، بل يؤسس لآلية دائمة للتعامل مع مواسم الذروة. ومن بين الحلول التي يطالب بها القطاع تعزيز التصنيع الغذائي واستيعاب الكميات الزائدة، وفتح أسواق تصديرية إضافية، وتفعيل برامج شراء أو تدخل عند انهيار الأسعار، إلى جانب تطوير قاعدة بيانات دقيقة للإنتاج والمساحات المزروعة بما يمنع تكرار اختلالات العرض في كل موسم.
كما أن معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى المزارع باعتباره الحلقة الأكثر هشاشة في سلسلة الإنتاج، لا الطرف الذي يدفع تلقائياً ثمن اختلالاتها. فحين يباع المحصول بأقل من كلفة إنتاجه، فإن الضرر لا يتوقف عند موسم واحد، بل يمتد إلى قدرة المزارع على الاستمرار والاستثمار وإعادة زراعة أرضه في الموسم التالي.
800 طن فائض يومياً ليست مجرد أرقام زراعية عابرة، بل إنذار واضح بأن كميات كبيرة من محصول أساسي مهددة بالهدر في وقت تُبذل فيه موارد كبيرة لإنتاجها. وبين مزارع يخشى أن يرى تعب موسمه يذهب سدى، وسوق عاجزة عن استيعاب الكميات، تبقى المسؤولية قائمة على الجهات المعنية لإيجاد حل سريع يوقف النزيف، وحل طويل الأمد يمنع تكرار الأزمة.
فالمطلوب اليوم ليس فقط إنقاذ محصول البندورة من التلف، وإنما إنقاذ ثقة المزارع بمنظومة الإنتاج والتسويق بأكملها. وإذا لم تتحول أزمة الفائض الحالية إلى نقطة انطلاق لإعادة تنظيم القطاع، فقد يجد الأردن نفسه أمام مفارقة مؤلمة: مزارع ينتج الغذاء بكميات كبيرة، لكنه لا يستطيع بيع إنتاجه، ومستهلك يدفع ثمن اختلال السوق، وغذاء يُهدر كان يمكن أن يكون قيمة اقتصادية وغذائية حقيقية.