أخبار اليوم - راما منصور
مع اقتراب موسم القبول الجامعي، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر القرارات التي تشغل الأسر الأردنية: اختيار التخصص الجامعي. قرار يبدأ غالباً من رغبة الطالب وميوله، لكنه سرعان ما يدخل في حسابات المعدل، والقدرة المالية للأسرة، وفرص العمل، وتشبع بعض التخصصات، في وقت لم تعد فيه الشهادة الجامعية وحدها كافية لضمان الوصول إلى وظيفة.
ويجد طلبة وأهالٍ أنفسهم أمام خيارات معقدة؛ فالتخصص الذي كان يعد قبل سنوات من التخصصات المطلوبة قد يصبح اليوم مزدحماً بالخريجين، بينما تظهر تخصصات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والقطاعات الحديثة، لكنها لا تكون دائماً واضحة للطالب أو الأسرة عند اتخاذ القرار.
وتروي تجارب خريجين أن المشكلة لا تنتهي عند الحصول على الشهادة، إذ يبدأ بعدها سباق طويل للبحث عن فرصة عمل، وقد يضطر البعض إلى قبول وظائف بعيدة عن تخصصاتهم، أو اللجوء إلى دورات تدريبية وشهادات مهنية إضافية لتعزيز فرصهم في سوق العمل.
وفي المقابل، يرى مختصون في التعليم وسوق العمل أن مسؤولية اختيار التخصص لا تقع على الطالب وحده، خصوصاً أن طالب الثانوية قد يتخذ قراراً مصيرياً في سن مبكرة، بناءً على معلومات محدودة أو انطباعات اجتماعية عن مكانة تخصص معين، دون امتلاك صورة واضحة عن حجم الطلب الحقيقي على خريجيه.
كما تلعب الأسرة دوراً كبيراً في الاختيار، إذ قد تدفع رغبة الأهل في رؤية أبنائهم في تخصصات بعينها إلى تجاهل ميول الطالب أو قدراته، بينما يختار آخرون تخصصاتهم بناءً على معدلات القبول فقط، باعتبار أن الحصول على مقعد جامعي بحد ذاته هو الأولوية.
وتبرز أيضاً الكلفة الاقتصادية للقرار؛ فسنوات الدراسة لا تعني الرسوم الجامعية فقط، بل تشمل المواصلات والكتب والمستلزمات والمصاريف اليومية، وقد تصل إلى أرقام تشكل عبئاً كبيراً على الأسرة، خصوصاً إذا انتهت رحلة الدراسة بشهادة في تخصص محدود الفرص.
ويرى مراقبون أن التعامل مع ملف التخصصات المشبعة يحتاج إلى ربط أكبر بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وتوفير معلومات دقيقة ومحدثة للطلبة حول معدلات الطلب على التخصصات، ومتوسط فرص العمل، والمهارات المطلوبة، حتى لا يبقى الاختيار محصوراً في المعدل أو الرغبة الشخصية أو الصورة الاجتماعية للتخصص.
وفي الوقت نفسه، لا يعني الحديث عن التخصصات المشبعة أن كل خريج منها محكوم بالبطالة، فالمهارات الشخصية والخبرة والتدريب والقدرة على تطوير الذات أصبحت عوامل مؤثرة في فرص العمل، وقد يتمكن خريج تخصص تقليدي من المنافسة بقوة إذا امتلك مهارات إضافية تتناسب مع متطلبات السوق.
وبين طالب يختار تخصصه وفق شغفه، وأسرة تبحث عن مستقبل أكثر أماناً، وسوق عمل يفرض شروطاً جديدة كل عام، يتحول قرار التخصص الجامعي إلى قرار يتجاوز سنوات الدراسة نفسها. فالاختيار الذي يبدو بسيطاً عند تعبئة طلب القبول قد يرسم لاحقاً سنوات من العمل أو الانتظار، ويجعل مسؤولية التوجيه المهني والمعلومات الدقيقة جزءاً أساسياً من رحلة الطالب قبل أن يدخل الجامعة، لا بعد أن يتخرج منها.