العبادي يكتب : قَسَم الأردنيّة

mainThumb
العبادي يكتب : قَسَم الأردنيّة

27-08-2026 03:56 PM

printIcon

سهم محمد العبادي
ثمة أماكن نعبرها ثم نغادرها، وثمة أماكن تسكننا مهما ابتعدنا عنها. والجامعة الأردنيّة واحدة من تلك الأمكنة التي يصعب اختصارها في مبانٍ وقاعات ومدرجات وشهادات؛ لأنها في الوجدان الأردني جزء من سيرة وطن، وذاكرة أجيال، وحكاية بدأت بحلم كبير، ثم مضت تكبر مع الأردن عامًا بعد عام.

لهذا، حين أطلقت الجامعة الأردنيّة فيديو أغنية «قَسَم الأردنيّة»، حضرت أمامي رحلة تتجاوز ستة عقود؛ فالجامعة هنا تروي نفسها بنفسها، وتستدعي تاريخها بالكلمة والصوت والصورة واللحن.

في عام 1962، صدرت الإرادة الملكية السامية في عهد جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، بتأسيس أول جامعة في الأردن، واختيرت الجبيهة مقرًا لها، ثم استقبلت فوجها الأول وكانت البداية بكلية الآداب، وتولى الدكتور ناصر الدين الأسد رئاستها كأول رئيس لها.

وكان الأردن آنذاك يبني دولته ومؤسساته بإمكانات محدودة وطموحات كبيرة، وتحضر في ذاكرة تلك المرحلة قامات وطنية بحجم الشهيد وصفي التل وكبير العسكر المشير حابس المجالي، رجال أدركوا أن قوة الدولة تبدأ من بناء الإنسان بقدر ما تستند إلى حماية الأرض وصونها.

ولعل أجمل ما تختزنه ذاكرة البدايات مشاركة الجيش العربي في حفر أساسات الجامعة. هنا تتوقف الكلمات أمام صورة تحمل من المعاني أكثر مما تحمله كتب كاملة: السواعد التي حملت السلاح دفاعًا عن الوطن، حفرت الأرض ليُقام عليها صرح العلم.

هناك، في تراب "المستنبت"، التقت القوة بالمعرفة، والحماية بالمستقبل، وشجاعة الميدان بشجاعة الفكر. جنود يحفرون أساس جامعة ستخرج بعد سنوات أطباء ومهندسين ومعلمين وقضاة وأدباء وباحثين وعلماء ورجال دولة. كانوا يحفرون الأرض، وفي حقيقة المشهد كانوا يضعون أساسًا لمستقبل الأردن.

كبرت الأردنيّة بعد ذلك كما كبر الأردن. اتسعت كلياتها وبرامجها ومراكزها، وتعاقبت في قاعاتها أجيال من العلماء والأساتذة والطلبة، وخرج من أبوابها من حملوا علمهم إلى مؤسسات الدولة وقطاعات المجتمع. ولهذا يصعب قراءة تاريخ «الأردنيّة» بعيدًا عن تاريخ الدولة الحديثة؛ ففي صفحات كثيرة من مسيرة الأردن تجد أثرًا لعالم أو مسؤول أو طبيب أو معلم أو باحث مر يومًا من الجبيهة.

ومن هذه الزاوية تحديدًا تأتي قيمة «قَسَم الأردنيّة»، فالقَسَم في ثقافتنا عهد ومسؤولية، وحين يرتبط باسم جامعة بحجم الأردنيّة تتسع دلالته: أن يبقى العلم رسالة، والمعرفة مسؤولية، وأن يعرف الخريج أن الشهادة التي يحملها تضع في يده أمانة تجاه وطنه ومجتمعه والجامعة التي صنعت جزءًا من شخصيته.

وقد أحسنت الدكتورة مها العتوم في كتابة نص يستند إلى ذاكرة المكان وهويته، ومنح وائل الشرقاوي الكلمات بألحانه وتوزيعه مساحة للوصول إلى الوجدان، وجاء صوتا الفنانين الأردنيين زين عوض ويحيى صويص ليحملا العمل بروح أردنية واضحة. ويُحسب لـوحدة الإعلام والعلاقات العامة والإذاعة إنتاج وتنفيذ عمل يتعامل مع الإعلام الجامعي بوصفه حافظًا لذاكرة المؤسسة وهويتها.

فالجامعات العريقة تحفظ أسماء علمائها، وحكايات أساتذتها، وصور خريجيها، ومبانيها وساحاتها وأغانيها؛ لأن الذاكرة جزء من هوية الجامعة، والأردنيّة تمتلك من الذاكرة ما يستحق أن يُروى.

واليوم، يواصل معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، رئيس الجامعة الأردنيّة، قيادة هذا الصرح، ومعه الهيئتان الأكاديمية والإدارية، وعلماء الجامعة وأساتذتها الأجلّاء وكافة كوادرها وطلبتها، يحملون أمانة تاريخ صنعته أجيال، ومسؤولية أن تبقى «أم الجامعات» جديرة باسمها ومكانتها.

وحين نستمع اليوم إلى «قَسَم الأردنيّة» تحضر الحكاية من أولها: إرادة الحسين، ورجال الدولة، ووصفي وحابس، وسواعد الجيش العربي وهي تحفر الأساسات، وعلماء أضاءوا القاعات، وأجيال خرجت منها تحمل الأردن معها.

فالجامعات الكبيرة تصنع ذاكرة وطن، والأردنيّة منذ عام 1962 تكتب في هذه الذاكرة صفحة لا تزال ممتدة