أخبار اليوم - تشهد المحاكم الشرعية يومياً واقعاً متكرراً، يواجهه المحامين بكثرة في قضايا الأحوال الشخصية، وهو لجوء بعض الأزواج إلى التهرب المالي والمماطلة في دفع النفقة، أو محاولة إخفاء دخولهم الحقيقية والادعاء بالإعسار والفقر لتقليص قيمة المبالغ المستحقة عليهم.
وأمام هذا الواقع، لم يقف قانون الأحوال الشخصية موقف المتفرج، بل أحاط النفقة الزوجية بحصانة قانونية صارمة تميزها عن الديون التجارية و المدنية الأخرى، و قد ضمن للمرأة آليات قوية لتحصيل حقوقها مهما طال أمد النزاع.
إن الميزة الجوهرية الأولى لنفقة الزوجة تتمثل في عدم سقوطها بالتقادم. ففي القوانين المدنية، قد تسقط الديون أو يمتنع سماع الدعوى في حال لم يطلب بها الدائن لسنوات طويلة بموجب مرور الزمن.
أما في القضاء الشرعي، فإن النفقة المتراكمة التي يمتنع الزوج عن دفعها—والتي تُعرف قانوناً بنفقة المتروكات—تتحول إلى دَين ثابت ومتجدد في ذمة الزوج.
ان هذا الدَّين لا يموت بمضي السنين، ولا يسقط عن المكلف بالإنفاق إلا في حالتين فقط: أولا إما السداد الفعلي الكامل، ثانياً في حال أن تقوم الزوجة بإبرائه منه طواعية وبإرادتها الكاملة. وحتى في حالات الوفاة، يظل هذا الدَّين قائماً ويُستوفى من تركة الزوج قبل توزيعها على الورثة.
ولا تقف الحصانة عند حدود عدم السقوط، بل إن القانون منح ديون النفقة صفة "الدَّين الممتاز" ووضعها في المرتبة الأولى عند التنفيذ الجبري. وفي الحالات التي تضيق فيها ذمة الزوج المالية وتتزاحم عليه الديون من جهات مختلفة كالبنوك أو الشركات أو الأفراد، ويتم الحجز على أمواله وممتلكاتها لبيعها بالمزاد، فإن قاضي التنفيذ الشرعي ملزم قانوناً بتقديم دَين النفقة الزوجية واستيفائه كاملاً قبل الالتفات لأي دائن آخر.
هذا التقديم يعكس انحيازاً تشريعياً صريحاً لتأمين العيش الكريم للمرأة و لحماية الأسرة ، معتبراً قوت اليوم الأساسي مصلحة عليا تتقدم على الأرباح والمصالح التجارية.أما على الصعيد الإجرائي، فإن إخفاء الزوج لدخله الحقيقي أو عمله في قطاعات غير رسمية لم يعد عائقاً أمام المحامي المتميز .
فقد أتاح القانون أدوات تحقيق واستقصاء واسعة لمواجهة هذه المماطلة؛ حيث يمكن للمحامي تتبع الحركات المالية للزوج عن طريق مخاطبة البنك المركزي للكشف عن حساباته المصرفية ومحافظه الإلكترونية، بما فيها أنظمة الدفع الحديثة مثل "كليك" كما يمتلك المحامي صلاحية الاستعلام لدى دائرة الأراضي والمساحة، ومراقبة الشركات لإثبات حصصه في الشركات ذات المسؤولية المحدودة، فضلاً عن إمكانية إثبات ملاءته بالقرائن الحياتية، مثل مصاريف سفره أو طبيعة المدارس الخاصة التي يدرس بها أبناؤه، والتي تُعد دليلاً قاطعاً يبطل ادعاء الإعسار.
وفي حال استمرار المكلف بالإنفاق في عناده وامتناعه عن السداد بعد صدور الحكم، يملك المحامي تفعيل إجراءات ردع جبرية تتدرج من الحجز مروراً بمنع السفر للحيلولة دون هروبه خارج البلاد، وصولاً إلى طلب الحبس التنفيذي المتكرر الذي لا يسقط الدَّين بل يظل وسيلة ضغط قانونية مستمرة حتى يمتثل لحكم القانون ويدفع ما عليه.إن هذه المنظومة التشريعية القوية تؤكد أن الحقوق لا تضيع، ولكن نجاحها في أرض الواقع يتوقف دائماً على حِذق الوكيل وقدرته على بناء ملف القضية وتقديم البينات الصحيحة التي تكشف الدخل المخفي وتضع حداً للمماطلة