أخبار اليوم - أكدت المعلقة الصوتية روان إرشيد أن التطور الكبير الذي شهدته
الحياة ووسائل الاتصال غيّر طبيعة
العلاقات الإنسانية والاجتماعية، مشيرة إلى أن امتلاك المزيد من وسائل الراحة والتكنولوجيا لم يضمن المحافظة على
دفء العلاقات العائلية وقرب الأشخاص من بعضهم، كما كان الحال في الماضي.
وقالت إرشيد، في حديث صباحي تناول الفوارق بين الماضي والحاضر، إن الحنين إلى الأيام القديمة لا يعني بالضرورة عدم الرضا عن
الحياة الحالية، وإنما يرتبط بذكريات وأشخاص ومواقف تركوا أثرًا عميقًا في النفوس، يصعب تعويضه مهما تغيرت الظروف وتقدمت السنوات.
وأضافت أن تفاصيل
الحياة البسيطة في الماضي، من رائحة الخبز في بيوت الأجداد إلى أصوات الأمهات وهن ينادين أبناءهن، وجلسات العائلة التي كانت تجمع الجميع، ما زالت حاضرة في ذاكرة كثيرين، لأنها ارتبطت بمشاعر الأمان والمحبة والانتماء.
وأوضحت أن
البيوت كانت في الماضي أصغر مساحة، لكنها كانت تتسع للعائلات والأقارب، وكانت الزيارات تتم دون مواعيد مسبقة، فيما كانت
العلاقات بين الجيران تقوم على المعرفة المباشرة والاهتمام المتبادل والمشاركة في الأفراح والأحزان.
وأشارت إلى أن اجتماع العائلة حول مائدة بسيطة كان يحمل قيمة إنسانية كبيرة، وأن الضحكات والأحاديث التي تجمع أفراد الأسرة كانت تمنح تلك اللحظات معنى يتجاوز الإمكانات المادية المتواضعة.
ولفتت إرشيد إلى أن
الحياة اليوم شهدت تطورًا واسعًا، وأصبحت المنازل أكبر ووسائل الاتصال أكثر تقدمًا، لكن هذا التطور لم يضمن بالضرورة استمرار التقارب العاطفي بين أفراد الأسرة.
وقالت إن أفراد العائلة قد يجلسون اليوم تحت سقف واحد، بينما ينشغل كل شخص بعالمه الخاص من خلال هاتفه، في الوقت الذي يعرف فيه أخبار أشخاص بعيدين عنه، وقد يغفل عن السؤال عن أقرب الناس إليه.
وأضافت أن وسائل الاتصال الحديثة نجحت في تقريب المسافات الجغرافية، لكنها لا تستطيع وحدها بناء علاقات إنسانية متينة، لأن القرب الحقيقي يحتاج إلى اهتمام وتواصل مباشر ومواقف تعكس المحبة والحرص على الآخرين.
وأكدت أن
العلاقات الاجتماعية في الماضي كانت تُقاس بالمواقف، وأن الصديق الذي يقف إلى جانب صديقه في الأوقات الصعبة كان يمثل قيمة أكبر من عشرات أو مئات الأشخاص الذين يملؤون الهاتف بالرسائل والتفاعلات.
وأوضحت أن كثرة المعارف والاتصالات لا تعني بالضرورة امتلاك علاقات صادقة، مشيرة إلى أن الإنسان قد يكون محاطًا بأعداد كبيرة من الأشخاص، لكنه يظل يبحث عن شخص واحد يستطيع أن يطمئن إليه ويتحدث معه دون خوف أو تردد.
وتساءلت إرشيد عن مدى مساهمة التطور في زيادة سعادة الإنسان، وما إذا كان امتلاك المزيد من الأشياء قد جاء أحيانًا على حساب المشاعر والعلاقات التي تمنح
الحياة معناها الحقيقي.
وشددت على أن الحديث عن جمال الماضي لا يعني أنه كان خاليًا من الصعوبات أو المشكلات، فقد شهد بدوره تحديات معيشية وأحلامًا مؤجلة وظروفًا قاسية، إلا أن ما يستحق المحافظة عليه هو القيم الإنسانية والاجتماعية التي كانت حاضرة في تفاصيل
الحياة اليومية.
وأشارت إلى أن صلة الرحم واحترام الكبير والرضا بالقليل والتكافل بين أفراد الأسرة والمجتمع كانت من القيم التي ساعدت الإنسان على الشعور بأنه محاط بمن يسانده، وأنه لا يواجه مصاعب
الحياة وحده.
وأضافت أن أكثر ما يؤلم الإنسان في الحنين إلى الماضي هو تذكر الأشخاص الذين كانوا يمنحون الأيام جمالها، من أفراد العائلة والأصدقاء والأحبة الذين غاب بعضهم، وبقيت أصواتهم ووجوههم ومواقفهم حاضرة في الذاكرة.
وقالت إن الإنسان قد يشتاق إلى لحظات عادية عاشها دون أن يدرك قيمتها في حينها، قبل أن تتحول مع مرور الزمن إلى ذكريات يتمنى استعادتها ولو لفترة قصيرة.
وأكدت إرشيد أن المطلوب اليوم لا يتمثل في العودة إلى الماضي أو التخلي عن مظاهر التطور، وإنما في استعادة بعض القيم والعادات الجميلة وإدخالها إلى حياتنا المعاصرة.
ودعت إلى تخصيص وقت حقيقي للعائلة، والجلوس مع الأهل بعيدًا عن انشغال الهواتف والشاشات، والاهتمام بالأحاديث المباشرة والسؤال الصادق عن الأحبة والأقارب.
وشددت على أهمية منح الأشخاص الذين نحبهم الوقت والاهتمام ما داموا موجودين في حياتنا، لأن بعض اللحظات التي نؤجلها اليوم قد تتحول في المستقبل إلى أمنيات يصعب تحقيقها.
وأكدت أن التقدم الحقيقي يجب أن يشمل
العلاقات الإنسانية إلى جانب التطور المادي والتكنولوجي، وأن المحافظة على صلة الرحم والمودة والتواصل بين الأجيال لا تتعارض مع متطلبات
الحياة الحديثة.
واختتمت إرشيد حديثها بالتأكيد على أن «ليس كل ما تركناه خلفنا قديمًا، وليس كل ما نحمله اليوم تقدمًا»، داعية إلى استعادة القيم التي تمنح
الحياة معناها، والمحافظة على الأشخاص واللحظات الجميلة قبل أن تتحول إلى مجرد ذكريات.