حتى "بنت دياب" لم تقتنع بكلامكم

mainThumb

24-10-2026 09:30 PM

printIcon

سهم محمد العبادي
مخجل ومزرٍ هذا المشهد الإعلامي الذي تابعناه على مؤسسات الإعلام الرسمي، ونحن نراقب كيف خرج علينا بعض «الجهابذة» للحديث عن الجريمة التي استهدفت أهلنا في كنيسة حمود بالكرك، وكأنهم اكتشفوا فجأة أن في الأردن مسلمين ومسيحيين يعيشون معًا!
يا سادة، نحن لا نحتاج إلى من يحدثنا عن التعايش، ولا إلى من يقدم شهادات حسن سلوك في علاقتنا بإخوتنا المسيحيين. نحن أهل هذا الوطن منذ أن عرفنا أنفسنا، جيران وأحبة وأصحاب خبز وملح ووجع وفرح. كنا نفطر في رمضان داخل الكنائس، ونزور بعضنا في الأعياد، ونعزي بعضنا في الأحزان، ونقف إلى جانب بعضنا في الشدائد. لم نتعرف إلى بعضنا ليلة وقوع الجريمة، ولم نكن ننتظر هذه المصيبة حتى نكتشف معنى الأخوة.
المشكلة أن بعض من تصدروا المشهد الإعلامي تعاملوا مع الحدث وكأن المطلوب منهم إلقاء محاضرة مدرسية عن التسامح، بينما كانت هناك جريمة إرهابية تستوجب خطابًا بحجم خطورتها، ورسائل سياسية وأمنية وإعلامية واضحة، موجهة إلى الداخل والخارج، تشرح ما حدث، وتضع الأمور في سياقها، وتخاطب العالم بلغة يفهمها.
والسؤال الذي يستحق الإجابة: ماذا أوصل هؤلاء «الجهابذة» إلى الخارج؟ وأي رسالة استطاعوا إيصالها إلى الرأي العام الدولي؟ وأين الخطاب الذي يخاطب المؤسسات الإعلامية العالمية، ويشرح حقيقة المجتمع الأردني، ويضع الجريمة في إطارها الصحيح؟
أخشى أن رسائل بعضهم لم تتجاوز الشارع المقابل للاستوديو الذي جلسوا فيه، وأنهم تحدثوا إلى أنفسهم أكثر مما تحدثوا إلى العالم.
نحن أمام جريمة استهدفت أرواحًا بريئة، وأمام حدث يحتاج إلى إدارة إعلامية واعية، تعرف الفرق بين مخاطبة الأردني الذي يعرف مجتمعه جيدًا، ومخاطبة العالم الذي يحتاج إلى تفسير ومعلومات ورسائل دقيقة. أما أن نستنزف ساعات البث في تكرار عبارات محفوظة عن الوحدة الوطنية والتعايش، فهذا اختزال مؤسف لحدث بهذا الحجم.
الوحدة الوطنية ليست اكتشافًا إعلاميًا جديدًا، والمسيحي الأردني لا يحتاج إلى من يمنحه شهادة انتماء، كما أن المسلم الأردني لا يحتاج إلى من يشرح له أن جاره المسيحي أخوه وشريكه في الأرض والتاريخ والمصير.
ما نحتاج إليه هو خطاب إعلامي يمتلك القدرة على الوصول والتأثير، يعرف ماذا يقول، ولمن يقول، ومتى يقول، وكيف ينقل صوت الأردن إلى العالم.
أما أن يكون هذا هو مستوى الحضور الإعلامي في مواجهة حدث بهذه الخطورة، فالسؤال هنا لا يتعلق بمن جلس أمام الكاميرا وحده، وإنما بمن اختاره، ومن أعد الرسالة، ومن اعتقد أن تكرار الكلام أمام الميكروفون يعني أننا خاطبنا العالم.
يا سادة، الأردن أكبر من هذه الخطابات المستهلكة، والجريمة أخطر من أن تتحول إلى مناسبة لاستعراض المحفوظات.
والدليل على ما أقول أن جميع خطاباتكم، بكل ما حملته من تنظير واستعراض وتكرار، لم تستطع حتى إقناع مايا دياب، فكيف تريدون منا أن نصدق أنها نجحت في إقناع العالم؟