"نركز على بلدنا" .. بوصلة الحسين في زمن الأزمات

mainThumb
"نركز على بلدنا".. بوصلة الحسين في زمن الأزمات

02-09-2026 11:18 AM

printIcon


سهم محمد العبادي

في السياسة، قد تختصر جملة واحدة خطاباً كاملاً، وقد تكشف الكلمات القليلة عن طريقة تفكير صاحبها أكثر مما تفعل الخطب الطويلة. وهذا تحديداً ما استوقفني في حديث سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، خلال لقائه في إربد، عندما قال: «المهم بالنسبة لي نركز على بلدنا، نركز على اقتصادنا وشبابنا ووعيهم، ونظل ماشيين لقدام».

توقفت طويلاً عند عبارة «بالنسبة لي»، لأنها تنقل الحديث من توصيف الظروف إلى تحديد الأولوية. المنطقة تمر بمرحلة صعبة، والأزمات من حولنا كثيرة، والمشهد الإقليمي مفتوح على احتمالات ثقيلة، لكن الحسين يضع البوصلة حيث يجب أن تكون: الأردن أولاً في العمل، واقتصاده في صدارة الاهتمام، وشبابه في قلب الرهان، ووعيهم جزء من حماية المستقبل.

هذه ليست دعوة إلى الانكفاء عن محيطنا، فالأردن كان وسيبقى حاضراً في قضايا أمته ومحيطه، وإنما هي قراءة واقعية لمعنى قوة الدولة. فالدولة التي تريد أن تؤثر في محيطها عليها أن تكون قوية في داخلها، والاقتصاد القادر على الصمود جزء من السيادة، والشباب الذين يمتلكون الفرصة والمعرفة والثقة ببلدهم جزء من القوة الوطنية، والوعي في زمن الفوضى والمعلومات المتدفقة والشائعات لم يعد ترفاً ثقافياً، وإنما أصبح خط دفاع حقيقياً عن الدولة والمجتمع.

واللافت أن ولي العهد جمع الاقتصاد والشباب والوعي في سياق واحد. وهذا الجمع يستحق القراءة؛ لأن الاقتصاد من دون شباب قادرين على حمله يفقد غايته، والشباب من دون فرص يتحول طموحهم إلى قلق، والفرص من دون وعي يحمي المجتمع ويعرف قيمة الدولة قد لا تكون كافية لصناعة المستقبل.

ثم جاءت الإشارة إلى المئة عام الماضية لتضع الحاضر في سياقه الأردني الصحيح. فهذا البلد لم تُكتب قصته في ظروف سهلة. عبر قرن كامل، كانت التحديات أكبر أحياناً من الإمكانات، ومع ذلك بقي الأردن وتقدم وتجاوز أزمات وحروباً وتحولات إقليمية هائلة. لذلك، حين يقول الحسين إن الأردن خرج دائماً من الصعوبات أقوى، فهو لا يقدم عبارة للتفاؤل، وإنما يستند إلى سجل دولة اختُبرت مراراً وعرفت كيف تحمي استقرارها وتعيد ترتيب أولوياتها.

ومن إربد، أرض العلم والناس، وأرض الشهيد وصفي التل، وبلد الجيش والعسكر، بدا حديث ولي العهد أقرب إلى تحديد اتجاه للمرحلة المقبلة: لا نستهلك أنفسنا في الخوف مما يجري حولنا، ولا نسمح للأزمات بأن توقف حركتنا. نعرف ما يحدث، نستعد له، ثم نضع جهدنا حيث نستطيع أن نصنع الفرق.

«نركز على بلدنا»؛ ربما كانت هذه الكلمات الأربع هي العنوان الأوضح للمرحلة، والبوصلة التي يحتاجها الأردن وهو يعبر زمناً إقليمياً بالغ الصعوبة: أن تبقى العين مفتوحة على العالم، فيما يبقى الجهد كله للأردن.