الأجسام غير المنفجرة .. المشي فوق الموت

mainThumb
الأجسام غير المنفجرة.. المشي فوق الموت

29-11-2025 09:24 AM

printIcon

أخبار اليوم - لم يكن الطفل محمد غريب، البالغ من العمر تسع سنوات، يتوقع أن تتحول دقائق لعب بسيطة قرب منزله في منطقة دوار القوقا غرب مدينة غزة إلى واحدة من أكثر اللحظات رعبا في حياته. قبل أيام فقط، وبينما كان يلعب مع مجموعة من اصدقائه فوق ركام منزل مدمر، انفجرت قذيفة اسرائيلية غير منفجرة كانت مدفونة بين الحجارة، لتبدل حياته وحياة عائلته إلى الابد.

تقول والدته لـ "فلسطين أون لاين": إن محمد خرج كعادته ليلعب مع اطفال الجيران، "لم نكن نعرف أن المكان يحتوي على اجسام خطيرة. اعتقدنا ان المنطقة باتت آمنة بعد وقف النار. فجأة سمعنا انفجارا ضخما، ثم رأيت الناس يصرخون: محمد بين المصابين".

الانفجار ادى الى استشهاد طفل آخر كان يقف بجانب محمد، وأصيب عدد من الاطفال بجروح متفاوتة. أما محمد، فقد خسر ساقه اليسرى، وتعرض لتمزقات عميقة في البطن واليدين، نقل على أثرها إلى مجمع الشفاء الطبي حيث خضع لعملية جراحية استمرت ساعات.

في غرفته داخل المستشفى، يجلس محمد صامتا معظم الوقت، يحدق في الفراغ. يتجنب النظر الى مكان ساقه المبتورة، ويسأل والدته بصوت منخفض: "ماما، هل سأستطيع اللعب مرة ثانية؟ هل سأذهب للمدرسة؟". تجيبه امه بابتسامة مرتبكة لا تخفي دموعها: "أكيد يا روحي، بس بدنا شوية وقت".

طواقم الاستجابة السريعة وصلت إلى المكان بعد الحادث، وأكدت أن القذيفة كانت من مخلفات القصف المكثف على المنطقة خلال الاشهر الماضية. هذه الطواقم حذرت مرارا من انتشار آلاف الاجسام غير المنفجرة بين الركام وفي الاراضي المفتوحة، لكنها تعاني من نقص حاد في المعدات والكوادر، ما يجعل سرعة الاستجابة محدودة في كثير من الحالات.

اليوم، ينتظر محمد مرحلة طويلة من العلاج الطبيعي، وقد يحتاج إلى طرف صناعي في المستقبل إذا سمحت ظروف القطاع الصحّية والاقتصادية بذلك. اما عائلته فباتت تخشى حتى من عودة ابنائها للّعب خارج المنزل.

وتواجه غزة تهديدا صامتا ومستمرا يتمثل في نحو 20 ألف جسم حربي غير منفجر متبقٍ بين أكوام الركام والمنازل المدمرة، حسب تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.

هذه المخلفات — قذائف وصواريخ وذخائر متنوعة — تسبّبت بموت وإصابات بين المدنيين، وغالب الضحايا من الأطفال الذين تنجذبهم أشكال بعض الأجسام فتلمسها أو تلعب بها.

"المشي فوق الموت"

وقال باسم عبد العاطي، أحد الفنيين العاملين في فريق إزالة مخلفات الحرب بوزارة الداخلية في غزة لـ "فلسطين أون لاين"، إن الطواقم تعمل في ظروف "بالغة الخطورة والصعوبة"، مشيرا إلى أن كل مهمة تبدأ بـ"المشي فوق الموت حرفيا". ويوضح: "نخرج يوميا إلى مناطق مليئة بالركام، نعلم أن أي خطوة خاطئة قد تنفجر تحت أقدامنا، ومع ذلك نواصل العمل لأن حياة آلاف المواطنين تعتمد على ما نقوم به".

ويؤكد عبد العاطي أن التحديات تتجاوز خطر الانفجارات نفسها، فالنقص الحاد في المعدات يجعل العمل أبطأ وأكثر خطورة: "نفتقد أجهزة الكشف الحديثة، والبدلات الواقية، والآليات المخصصة لنقل الذخائر بعد تفكيكها. في أحيان كثيرة نفكك القذيفة ثم نتركها في المكان لأنها تحتاج سيارة خاصة غير متوفرة لدينا".

ورغم كل ذلك، يشير إلى أن الطواقم تبذل "جهودا مضاعفة" لحماية السكان، فقد نفذت خلال الأشهر الماضية مئات المهام في مختلف مناطق القطاع، بعضها استمر ساعات طويلة لتأمين منطقة سكنية أو مدرسة أو شارع رئيسي. ويضيف: "نحن نعمل بقدر ما نستطيع، نتحرك فور وصول أي بلاغ، ونحاول بكل الطرق منع تكرار المآسي التي تحدث عندما يعبث الأطفال أو الأهالي بهذه الأجسام".

ويختتم عبد العاطي قائلا: "ما نحتاجه هو دعم حقيقي، معدات، تدريب، وتمكين للفِرق، حتى نتمكن من مواجهة هذا الخطر الهائل. غزة لا تستطيع مواجهة هذا الملف وحدها".

تحديات كبيرة

من جهتها، أكدت أماني الناعوق المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة لـ "فلسطين أون لاين"، أن وجود مخلفات الحرب غير المنفجرة أصبح "إحدى أكبر التحديات التي تعيق عمل المستجيبين الأوائل والجهود الإنسانية في القطاع".

وقالت إن اللجنة تعمل، بالتعاون مع الدفاع المدني والهلال الأحمر والبلديات، على تعزيز وعي السكان بخطورة هذه الأجسام، موضحة أن الفرق الميدانية تنفذ جلسات توعوية تتضمن التعريف بأشكال المخلفات الحربية والأماكن التي قد تختبئ فيها، سواء داخل البيوت المدمرة أو بين الركام أو في المناطق المفتوحة.

وأضافت الناعوق أن هذه الجلسات تركز على تعليم المواطنين السلوك الآمن، وفي مقدّمته عدم لمس أو تحريك أي جسم مُريب، وعدم محاولة التخلص منه ذاتيا أو إشعاله، والاكتفاء بالإبلاغ عنه عبر الجهات المختصة.

وأشارت إلى أن اللجنة تبذل جهداً موازيا لتزويد المؤسسات المحلية بالمعدات الأساسية، إلى جانب التدريب الفني للعاملين في هذا المجال، بهدف تحسين قدرتهم على التعامل مع مخلفات الحرب وتقليل المخاطر المترتبة عليها.

المصدر / فلسطين أون لاين