أخبار اليوم - تمضي عائلة الشهيد محمد حلاوة شهر رمضان هذا العام في خيمة نزوح مهترئة شمال قطاع غزة، بلا معيل أو دخل ثابت، وسط عجز عن توفير احتياجات ثلاثة أطفال صغار، في ظل ظروف معيشية قاسية تفاقمت بعد استشهاد نجلهم واعتقال رب الأسرة سابقًا.
في مخيم حلاوة للنازحين بجباليا النزلة، تعيش العائلة داخل خيمة من القماش والنايلون والبلاستيك المقوّى، تفتقر لأبسط مقومات الحياة. ويقول سلطان حلاوة (50 عامًا)، والد الشهيد، إن نجله محمد استشهد في العاشر من حزيران/ يونيو 2025، أثناء توجهه برفقة صديقين إلى شارع غزة القديم لتفقد منزل العائلة المدمر.
ويضيف لصحيفة “فلسطين”: “خرجوا ليشاهدوا ما تبقّى من بيتهم، فعادوا محمولين على الأكتاف”، مشيرًا إلى أن محمد ترك خلفه زوجة شابة وثلاثة أطفال، أكبرهم في السابعة من عمره، وأصغرهم ما يزال في سنواته الأولى.
فقد متكرر واعتقال
لم تكن هذه الخسارة الأولى في حياة سلطان؛ إذ فقد ابنته قبل 14 عامًا خلال عدوان سابق، حين استهدفت طائرة مسيّرة المنطقة بصاروخ أودى بحياتها. وبين الفقدين، واصل الأب العمل لإعالة أسرته، قبل أن يُعتقل في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 أثناء عمله داخل الخط الأخضر، رغم حيازته تصريحًا رسميًا.
ويقول إنه نُقل إلى سجن “جلبوع”، حيث أمضى أربعة أشهر تعرض خلالها للضرب المبرح، ما تسبب بإصابته بفتق خضع على إثره لعملية جراحية بعد الإفراج عنه. ويضيف: “أُفرج عني في جنوب القطاع بعد مصادرة هاتفي وأموالي، وعدت إلى عائلة مثقلة بالفقد والحاجة”.
أطفال بلا سند
اليوم، تتحمل زوجة الشهيد محمد مسؤولية رعاية أطفالها الثلاثة داخل خيمة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء. وتقول بصوت يختلط بالحزن: “أحاول أن أشرح لهم لماذا غاب والدهم، لكنهم لا يفهمون معنى الشهادة، هم فقط يشتاقون إليه”.
وتوضح أن نجلها وديع (7 أعوام) يعاني من تقوّس في ساقيه ويحتاج إلى حذاء وجهاز طبي يساعدانه على المشي، وكان والده يتكفل بحمله ومتابعة احتياجاته. وتضيف: “يسألني دائمًا: أين أبي؟ لماذا لا يعود؟”.
أما غرام (5 أعوام) وأحلام (4 أعوام)، فتعيشان تفاصيل النزوح بكل قسوته؛ ملابس قليلة، فراش غير كافٍ، وطعام غير منتظم. وتقول الأم: “خرجنا من منزلنا في جباليا البلد على عجل، بثيابنا فقط، ولا نملك فرشات أو أغطية كافية”.
احتياجات طبية ملحّة
ويشير سلطان إلى أن حفيده كريم (6 أعوام)، أصيب خلال الحرب بقصور في عظام ساقه اليمنى، ويحتاج إلى جهاز طبي خاص لدعمها، غير أن تكلفته تفوق قدرة العائلة. ويتحرك الطفل بصعوبة، في ظل نقص الرعاية الطبية والإمكانات.
الشهيد محمد حلاوة
ومع دخول رمضان، تتضاعف معاناة العائلة. يقول سلطان: “لا نعلم ماذا سنفطر اليوم، لا نملك ثمن الطعام، وننتظر الفرج من الله”.
لا موائد عامرة ولا زينة تُضيء الخيمة، بل محاولات يومية من الأم لتقسيم ما يتوفر من طعام بسيط بين أطفالها، وغالبًا ما تؤجل حصتها إن تبقى شيء.
رمضان الذي كان يجمع العائلة في منزلها بجباليا حول مائدة واحدة، تحوّل اليوم إلى اختبار يومي للصبر والتحمّل. فلا بيت يؤويهم، ولا دخل يسندهم، ولا معيل يعوض غياب محمد الذي كان عماد الأسرة.
وبين فقد الابن، وإصابة الأطفال، وتجربة الاعتقال، تتشابك فصول المعاناة في حياة عائلة حلاوة، فيما يختتم سلطان حديثه برفع يديه بالدعاء: “مهما طال الليل، لا بد أن يعقبه فجر”.