أخبار اليوم - على عتبة منزل صغير قرب مفترق الصاروخ في شارع الجلاء شمال غرب مدينة غزة، يجلس طفلان لا يتجاوز أكبرهما الستة أعوام: عبد العزيز ذو العامين والنصف، وشقيقه إسماعيل ابن الست سنوات. لا يغادران المكان منذ الصباح وحتى حلول الظلام.
تلاحق أعينهما كل مارٍّ في الشارع وكل حركة في الطريق، على أمل أن يعود والدهما محمد البزم (49 عامًا)، الذي اختفى منذ أشهر، دون أن تترك خطواته الأخيرة أي أثر.
يروي أحمد البزم، شقيق محمد، تفاصيل الأيام الأخيرة قبل اختفائه، وكأنه يستعيد فصول كابوس لا ينتهي. ويقول إن السابع من سبتمبر/ أيلول الماضي كان اليوم الذي تغيّرت فيه حياة العائلة إلى الأبد.
في ذلك اليوم توغلت قوات الاحتلال في مدينة غزة، وتركزت عملياتها في حي الشيخ رضوان، بينما حلّقت طائرات "كواد كابتر" فوق منازل السكان، مطالبةً إياهم عبر مكبرات الصوت بالنزوح جنوبًا، ومستخدمة ألفاظًا نابية، قبل أن تلقي قنابل متفجرة على أسطح المنازل.
ومع أولى ساعات الفجر، وفق ما قاله البزم لـ "فلسطين أون لاين"، انفجرت تلك القنابل، مخلّفة إصابات متعددة بين السكان، تبعتها قذائف مدفعية حولت الحي إلى منطقة يستحيل البقاء فيها.
خبر قاسٍ
يقول أحمد: "كان محمد يرفض مغادرة المنزل، وكان يرى في الرحيل اقتلاعًا لجزء من روحه، لكنه استجاب لنا بعد إلحاح طويل من إخوته وزوجته. نزحنا إلى مدرسة تابعة لوكالة الغوث في مخيم الشاطئ، ثم تفرّقنا في أماكن مختلفة داخل المدينة".
لكن حتى مراكز الإيواء لم تسلم من الاستهداف. ففي اليوم التالي لنزوحهم، تلقى من كانوا في المدرسة اتصالًا من قوات الاحتلال تطالبهم بالإخلاء الفوري، وبعد دقائق فقط سقط صاروخ على المدرسة.
5857471880439204909.jpg
ويضيف البزم أن شقيقه محمد وأفراد أسرته السبعة فقدوا ما تبقى لهم من ملابس وأغراض، فقرر العودة إلى البيت لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد أن فقدوا كل شيء.
ولم تمضِ ساعات حتى تلقوا نبأً قاسيًا جديدًا: ابن شقيقتهم، ياسر الأسود، استُهدف أثناء تفقده منزله في منطقة الصفطاوي. كان وقع الخبر شديدًا على محمد؛ بدا وكأنه استشعر اقتراب موته، فأخذ يودّع إخوته، ويقبّلهم، ويطيل النظر في وجوههم، ويوصيهم بزوجته وأطفاله، وكأنه يودعهم دون أن ينطق بذلك.
ويتابع أحمد بحزن ظاهر: "آخر اتصال بيننا كان في 15 سبتمبر/ أيلول، وأخبرني أنه قرر الانتقال إلى مدينة الزوايدة وسط القطاع، بعد تدمير مركز الإيواء وفقدان كل شيء. كان يبحث عن مكان آمن لأطفاله".
وفي اليوم التالي، 16 سبتمبر، توجّه أحمد للاطمئنان عليه بعد الثانية ظهرًا، استعدادًا لمغادرة المكان نحو جنوب القطاع، لكنه فوجئ بأن محمد كان قد اختفى منذ ساعات الصباح الأولى. كانت زوجته وأطفاله يبحثون عنه بلا توقف، متنقلين بين مستشفى الشفاء والمعمداني، دون أن يعثروا على أي أثر يدل عليه.
ازدادت المخاوف حين تذكرت العائلة أنه يعاني من نوبات صرع يفقد خلالها الوعي لنحو نصف ساعة، وربما أصيب بإحداها خارج المركز.
ساعات الانتظار
تقول زوجته لأحمد: "بعد الإفطار، قال محمد إنه ذاهب إلى السوق لشراء بعض الاحتياجات، وسيعود سريعًا.. لكنه لم يعد".
ويضيف أحمد: "انتظرنا طوال الليل لعلّه يظهر، لكن الانتظار امتد ساعات ثم أيام دون جدوى. تواصلنا مع الصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية والدولية، لكن الرد كان واحدًا: لا معلومات".
بصوت مكسور، يواصل أحمد: "طرقنا كل الأبواب. لا نعرف إن كان استُشهد، أم اعتُقل، أم عاد إلى البيت ولم يتمكن من الوصول. حتى عندما تُنشر قوائم الأسرى أو أسماء المفرج عنهم، نبحث عن اسمه بين السطور ولا نجد شيئًا".
لم يترك أحمد وسيلة إلا واستخدمها؛ نشر صورة شقيقه على وسائل التواصل الاجتماعي، وشارك بياناته، واتصل بكل من قد يملك معلومة، لكن الصمت ظل سيّد الموقف.
وبعد إعلان وقف إطلاق النار، عاد أحمد إلى منزل العائلة مسرعًا، يفتش كل زاوية على أمل أن يكون محمد قد عاد. بحث بين الركام، وفي الشوارع، وفي المستشفى القريب، لكن دون جدوى. وكأن الأرض ابتلعته.
يقول أحمد، والدموع تتلألأ في عينيه: "أمنيتي الوحيدة أن أعرف مصيره، حتى لو كان قد استشهد. المهم ألا يبقى مجهولًا. فقدنا والدي في أكتوبر 2023 بعد إصابته جراء قصف منزل مجاور، ولا نحتمل فقدان أخ آخر دون أن نعرف أين هو".
وعلى عتبة ذلك المنزل، لا يزال عبد العزيز وإسماعيل يجلسان كل يوم، يحدقان في الطريق، ينتظران خطوات أبٍ غاب، ولا أحد يملك جوابًا: هل سيعود يومًا، أم أن الغياب سيظل العنوان الوحيد؟
المصدر / فلسطين أون لاين