السرطان ينهش أجساد مرضى غزة مع استمرار إغلاق معبر رفح

mainThumb
السرطان ينهش أجساد مرضى غزة مع استمرار إغلاق معبر رفح

05-01-2026 11:40 AM

printIcon

أخبار اليوم - في غرفة ضيقة داخل منزل متضرر في مدينة غزة، تجلس سهير محيي الدين (46 عاما) متكئة على وسادة رقيقة، تضع يدها على أسفل بطنها كمن يحاول كبح ألم يعرف أنه أقوى منه. منذ أشهر قليلة فقط، لم تكن سهير تعرف أن جسدها يخفي عدوا اسمه سرطان المثانة. اكتشفت المرض خلال حرب الإبادة، في وقت كان الوصول إلى التشخيص نفسه مغامرة، أما العلاج فصار حلما مؤجلا.

تقول محيي الدين لـ "فلسطين أون لاين": "لم أختر توقيت المرض، جاءني في أسوأ وقت. الحرب كانت فوق رؤوسنا، والسرطان كان ينمو داخلي بهدوء".

بعد سلسلة فحوصات بإمكانيات محدودة، قرر الأطباء في مستشفى الحلو أن علاجها يتطلب جرعات كيماوي منتظمة، مرة كل أسبوع، كخيار ضروري لإبقاء المرض تحت السيطرة. في البداية، كانت تحاول التمسك بهذا الروتين القاسي، رغم ضعفها ونقص الغذاء وصعوبة المواصلات. لكن ذلك لم يدم طويلا.

قبل أسابيع، أخبرها الأطباء بما كانت تخشاه. الأدوية الكيماوية لم تعد متوفرة في غزة. الاحتلال يمنع إدخالها، والمخازن فرغت، والبدائل غير موجودة. الخيار الوحيد المطروح أمامها الآن هو تلقي الجرعة مرة واحدة كل ثلاثة أسابيع، بدلا من مرة أسبوعيا.

تقول وهي تحاول حبس دموعها: "الطبيب قال لي بصراحة: هذا ليس علاجا مثاليا، لكن هذا كل ما نملك. شعرت وقتها أن المرض يسبقني بخطوات، وأنا عاجزة عن اللحاق به".

تعرف محيي الدين كما يخبرها الأطباء، أن انتظام الجرعات ليس تفصيلا ثانويا. أي تأخير أو تباعد في العلاج قد يمنح السرطان فرصة للتقدم والانتشار. ومع ذلك، لا تملك سوى القبول بالأمر الواقع.

كل أسبوع، تخرج من منزلها رغم التعب، وكأنها ترفض الاستسلام الكامل. تذهب إلى المستشفى لتسمع الجملة نفسها، وتعود محملة بخوف إضافي "أذهب وأنا أعرف أن الجرعة غير موجودة، لكني أذهب لأن البقاء في البيت يعني انتظار الموت بصمت".

وضعت وزارة الصحة اسم محيي الدين على كشف التحويلات الطبية للعلاج في الخارج، باعتبار أن حالتها تحتاج إلى رعاية غير متوفرة في غزة. لكن معبر رفح لا يزال مغلقا بقرار إسرائيلي.

تقول محيي الدين: "حين قالوا لي إن اسمي أدرج للسفر، شعرت بشيء من الأمل. قلت لنفسي ربما أعيش، ربما أرى أولادي يكبرون. لكن مع إغلاق معبر رفح، صار الاسم مجرد رقم على ورقة، لا ينقذ أحدا".

إغلاق المعبر لا يعني بالنسبة لسهير قرارا سياسيا أو خبرا عابرا، بل يعني ببساطة أن فرص شفائها تتضاءل يوما بعد يوم "أنا لا أطلب معجزة، أطلب دواء. أطلب طريقا مفتوحا إلى العلاج. لماذا يجب أن أموت لأن الدواء ممنوع من الدخول".

تعاني محيي الدين آثارا جانبية قاسية: غثيان دائم، إرهاق شديد، آلام لا تهدأ. ومع ذلك، تقول إن أصعب ما تواجهه ليس الألم الجسدي، بل الإحساس بالعجز "السرطان مرعب، لكن المرعب أكثر أن تعرف أن العلاج موجود في العالم، لكنه محجوب عنك عمدا".

قصة محيي الدين هي واحدة من آلاف القصص الصامتة لمرضى السرطان الذين يخوضون معركتين في آن واحد: معركة مع المرض، ومعركة مع الحصار. وبينما ينتظر العالم حلولا سياسية، يواصل المرض تقدمه بلا انتظار.

معركة يومية

داخل خيمة على أطراف أحد مراكز الإيواء غرب مدينة غزة، تجلس أم محمد اسعيد إلى جانب طفلها ذي الأعوام السبعة، تراقب صدره الصغير وهو يعلو ويهبط بصعوبة. محمد مصاب بسرطان الدم، تشخص مرضه خلال الحرب، في وقت كان فيه الوصول إلى مستشفى أشبه بالنجاة من الموت، أما العلاج فصار معركة يومية تخوضها أم بلا أدوات.

تقول الأم لـ "فلسطين أون لاين" وهي تمسح جبين طفلها: "ابني كان يلعب ويركض مثل بقية الأطفال. فجأة صار يتعب من أقل حركة، وجهه شاحب، ونزفه لا يتوقف. لم أفكر بالسرطان، كنت أفكر فقط كيف أحميه من القصف".

بعد فحوصات أولية بإمكانات محدودة، أكد الأطباء التشخيص القاسي. سرطان الدم، ويحتاج محمد إلى علاج كيماوي منتظم ورعاية طبية دقيقة. لكن غزة لم تعد قادرة على توفير ذلك. وحدات علاج الأورام متوقفة جزئيا، والأدوية الأساسية شحيحة، وبعضها مفقود بالكامل.

تقول الأم: "الطبيب قال لي بوضوح: علاج ابنك هنا غير كاف. إذا تأخر العلاج أو انقطع، المرض سيتقدم. شعرت أن الأرض سحبت من تحت قدمي".

منذ ذلك اليوم، تعيش اسعيد في سباق مع الوقت. تحاول تأمين مسكنات بسيطة، غذاء مناسب لطفل فقد شهيته، ومياه نظيفة في بيئة بالكاد تصلح للحياة. لا أجهزة، لا تحاليل منتظمة، لا غرف معقمة. فقط أم تحاول أن تمنح طفلها أسبابا إضافية للبقاء "أنا لست طبيبة، ولا أملك دواء، كل ما أملكه هو حضني. أضمّه حين يتألم، وأكذب عليه حين يسألني: ماما متى سأشفى".

أدرج اسم محمد على كشف التحويلات الطبية للعلاج في الخارج. كانت تلك اللحظة بمثابة طوق نجاة. حلمت الأم بمستشفى نظيف، بإبرة علاج حقيقية، بسرير أبيض، وبطبيب يقول لها إن ابنها سيتحسن. لكن الحلم اصطدم ببوابة مغلقة.

معبر رفح، المنفذ الوحيد لسفر المرضى، مغلق. وكل يوم يمر، يتآكل الأمل.

تقول الأم بصوت مكسور: "حين قالوا لي إن اسمه سيسافر، بكيت من الفرح. وحين أغلق المعبر، بكيت أكثر. لا أعرف أيهما أصعب: أن تعرف أن العلاج موجود ولا تصل إليه، أم أن ترى ابنك يذبل أمامك ولا تستطيع فعل شيء".

محمد نفسه لا يفهم معنى المعابر ولا السياسة. كل ما يعرفه أنه يريد أن يعود للعب "يسألني لماذا لا يذهب إلى المدرسة، لماذا شعره يتساقط، ولماذا لا يستطيع الجري. أقول له: عندما نخرج للعلاج ستتحسن. أخاف أن يأتي يوم لا أستطيع فيه أن أقول هذه الجملة".

مستويات غير مسبوقة

المدير العام لوزارة الصحة في غزة منير البرش يقول لـ "فلسطين أون لاين": إن أزمة مرضى السرطان والمرضى المحولين للعلاج خارج القطاع بلغت مستويات غير مسبوقة، في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية واستمرار إغلاق معبر رفح.

وأوضح البرش أن نحو 22 ألف مريض أتموا جميع الإجراءات الإدارية والطبية اللازمة للسفر لتلقي العلاج خارج غزة، مشيرا إلى أن 18 ألفا و100 مريض حصلوا فعليا على الموافقات الرسمية، لكنهم ما زالوا عالقين داخل القطاع بسبب إغلاق معبر رفح.

وأضاف أن من بين هؤلاء المرضى خمسة آلاف طفل، وخمسة آلاف مريض سرطان، وسبعة آلاف جريح يعانون إصابات خطيرة تحتاج إلى تدخلات طبية غير متوفرة محليا.

وأكد البرش أن القطاع الصحي في غزة بات منهكا ومتهالكا بالكامل، قائلا: "نحن لا نتحدث عن نقص جزئي أو مؤقت، بل عن عجز شبه كامل عن تقديم العلاج التخصصي، ومرضى يموتون لأن الطريق إلى العلاج مغلق".

وأشار إلى أن إغلاق معبر رفح لم يعد مجرد عائق لوجستي، بل تحول إلى حكم بطيء بالإعدام على آلاف المرضى، مضيفا: "ننتظر فتح معبر رفح كمن ينتظر الأوكسجين، فكل يوم تأخير يعني تدهورا جديدا في الحالات، وفقدان مزيد من الأرواح".

وشدد على أن استمرار دولة الاحتلال في منع إدخال كميات كافية من الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية، إلى جانب خرقها المتواصل لاتفاق وقف إطلاق النار، فاقم الأوضاع الإنسانية والصحية، في وقت يعيش فيه نحو 2.4 مليون فلسطيني ظروفا وصفها بأنها "لا إنسانية بكل المقاييس".

المصدر / فلسطين أون لاين