كتب/عقيد متقاعد امن عام محمد الخطيب
يبدو أننا دخلنا زمنا لم يعد فيه طلبة الجامعة يبحثون عن القدوة في قاعات المحاضرات أو المختبرات أو المكتبات… بل في شاشةٍ مضيئة يخرج منها “مؤثر” يتقن فنّ تفريغ المعنى من المعاني، ومع ذلك يُقدَّم بوصفه رمزا للنجاح والإلهام. دقيقة من الضجيج تغلب ساعاتٍ من العلم — ومن يعترض؟ فالأرقام تتحدث… حتى لو كان المحتوى لا يتحدث بشيء.
لقد انتصرت المعادلة الجديدة: لا تحتاج إلى فكرة… بل إلى “إطلالة”. لا تحتاج إلى قيمة… بل إلى “ترند”. ولا تحتاج إلى جهد… فالتفاهة أسرع وأرخص وأكثر قابلية للانتشار.
من زاوية علم الاجتماع، نحن أمام مجتمعٍ أعاد تعريف النجاح: لم يعد مبنيا على المعرفة والإنجاز، بل على القدرة على إنتاج الفراغ بشكل جذاب. يكفي أن تلوّح بعبارة عامة، أو نكتة ساذجة، أو موقف مفتعل — وستجد الملايين يهتفون: “مؤثر! قدوة! صانع محتوى!”. في هذا المشهد، لا يهم ماذا تقول… المهم ألا تفكّر كثيرا وألا تُتعب الجمهور بزيادة جرعة المعنى.
أما من منظور علم النفس، فالقصة أوضح: الشباب لا يرون في التفوق العلمي مكانة اجتماعية، لأن المجتمع نفسه لا يصفّق للمتفوقين — بل يصفّق لمن يجيد الاستعراض بدل الإنجاز. الشهرة الرقمية تمنح إحساسا وهميا بالقيمة الفورية، بينما التعليم يمنح قيمة حقيقية مؤجّلة… ومن الطبيعي أن يفوز الوهم حين يصبح الواقع بلا مكافأة.
وفي العمق، لا يمكن تجاهل حقيقة أن كثيرًا من الشباب يبحثون عن عملٍ ودخلٍ وفرصةٍ للحياة الكريمة، ويحلمون بأن يصبحوا أغنياء أو على الأقل قادرين على تحسين أوضاعهم. وبما أن سوق العمل التقليدي يضيق بالأبواب، فقد رأى بعضهم في الفضاء الرقمي بديلاً اقتصاديا سريعا، ومسارا أقرب — ولو ظاهريا — لتحقيق المكانة والمال والاعتراف الاجتماعي، حتى لو جاء ذلك عبر محتوى سطحي أو بلا قيمة حقيقية.
وهكذا تحوّل المؤثر السطحي إلى “نموذج اجتماعي ناجح”: شخص يعيش خارج الجهد… ويتقاضى ثمنا من لا شيء… يبيع الضجيج… ويشتري المتابعون الوهم بارتياح.
المشكلة ليست فيx او y فهو مجرّد منتج طبيعي لبيئةٍ تحتفي بالخفّة وتخجل من الجدية. المشكلة في زمنٍ جعل الوعي يجلس في الصف الخلفي، بينما يجلس الفراغ في المقعد الأمامي ويقدّم نفسه محاضرا في “فن التأثير بلا مضمون”.
الخطر الحقيقي أن القيم تنقلب: المعرفة تصبح “مملة”، وال shallow يصبح “ملهمًا”، والجامعة تجد نفسها في منافسة خاسرة أمام هاتف ذكي.
نحن، باختصار، نعيش لحظة ثقافية تقول: من يملك الضجيج يملك التأثير… ومن يملك المعنى عليه الانتظار. ولأننا شعب لا يحب الانتظار… فقد اخترنا الضجيج.
لكن السؤال الذي سيبقى معلّقًا:
أي مجتمع نريد أن نصبح؟ مجتمعا ينتج المعرفة… أم مجتمعا يعيد تدوير التفاهة ثم يصفّق لها بوصفها “نجاحا”؟