بَغلَة الحاج مصطفى الحَمَد … وتسعير المحروقات

mainThumb
دكتور محمد علي العكور

18-01-2026 01:39 PM

printIcon

دكتور محمد علي العكور
ملثّما بالشماغ يرتدي الفوتيك ، ويعطي أوامره لبغلته بمهارة بارعة ، فتنصاع له راغبة زاهيةً ، تكاد تسبقه إلى تنفيذ ما يريد ، ودموعها تصيح بوجعها وحملها الثقيل ، وكأنها مثل ناقة المثقّب العبدي حين تأوهّ عنها واصفا معاناتها في الرحيل :
إذا ما قُمتُ أرحلُها بليلٍ…
تأوّهُ آهة الرجل الحزين…
أكُلّ الدهر حلٌّ وارتحالٌ …
أمَا يُبقي عليَّ وما يقيني..
فأبقى باطلي والجدّ منها…
كَدُكّان الدرابنة القطينِ…
مخلصا قنوعا يجلس على كرسيّ القيادة فوق خزان الكاز الحديدي الذي تسوقه البغلة ، بلا مظلة تقيه زخات الخير ، ولا حماية صحية أو ضمان أو عوائد ضريبية أو بهلوانية مجهولة…
هكذا كان الحاج مصطفى الحَمَد " رحمه الله تعالى " أيقونة للمسؤولية المجتمعية والأمن الاقتصادي المتعلق بالطاقة ، وعلامة فارقة في الشتوية تصنعُ الطمأنينة والسعادة للبيوت .
كانت بغلته الصابرة جزءا من البروتوكول الشتوي في الصريح ، وهي الناقلُ الوطني للكاز في الحارة القبلية خصوصا ، وكان يزوّد البيوت بحاجتها من الكاز بكل إخلاص وزهد ، حيث كان يربح على تنكة الكاز بضعة قروش فقط . بل إنه كان أحيانا كثيرة يحمل تنكة الكاز إلى داخل البيوت ليفرغها في البرميل الذي وضعوه في " قرنة" بيت الدرج…
يا له من رجل عجيب …! كيف كان يؤمّنُ لنصف القرية كازها ، ويكفيها مؤونة الذهاب إلى المحطات ، ويوفّر لها ويوفّر عليها دون أن يضع برنامجا تصاعديا لأرباحه . أو يخلق أزمةً وفوضى…
بغلة الحاج مصطفى الحَمَد لم تخضع لحسابات التربّح الشيطانية ، ولم تضع المواطن في زاوية الخسران أو الحرمان …ولم نكن نعرف أيامها لجان تسعير الحارقات الماحقات ، ولا نسبة التبخّر ، ولا كُلَف النقل ، ولا فرق السعر ، ولا خبراء الإفلاس من أصحاب النظريات التشحيدية التشليحية…لقد كانت بغلته برنامجا اقتصاديا ناجعا في مجال المحروقات دون أن تسلخ جلد الناس عن عظمها ، ودون أن تضجّ بتصريحاتها الدنيا لإقناع الناس بالسعر وارتفاعه ، والجشع ومآربه التدميرية…
فهل كانت تلك البغلة الصبور أكثر حنانا على الناس من لجان الأرقام الجامدة والحلول العقيمة والمؤشرات المُفضية إلى التشحيد..