العبادي يكتب: سوريا تعيد تركيب الدولة… والأردن أمام اختبار الأمن القومي الهادئ

mainThumb
العبادي يكتب: سوريا تعيد تركيب الدولة… والأردن أمام اختبار الأمن القومي الهادئ

21-01-2026 10:43 AM

printIcon

صالح الشرّاب العبادي

ما يجري اليوم في سوريا لا يمكن فهمه عبر عدسة الاشتباكات وحدها، ولا من خلال خرائط السيطرة المتغيّرة، بل عبر تحوّل عميق في فلسفة إدارة الصراع:
الانتقال من مرحلة احتواء الفوضى إلى مرحلة إعادة تركيب الدولة .

هذا التحوّل لا يخصّ السوريين وحدهم، بل يمسّ بشكل مباشر الأمن القومي الأردني، الذي ظلّ طوال سنوات الأزمة يتعامل مع سوريا بوصفها مصدر تهديدات محتملة لا شريك استقرار.

ما الذي تغيّر في سوريا فعلًا؟

التحول الأهم ليس عسكريًا، بل سياسي ، أمني مركزي.
الدولة السورية بدأت تتصرّف على أساس أن زمن الجيوب المسلحة، مهما كانت تسمياتها أو مبرراتها، قد انتهى.
ما جرى في حلب، خصوصًا في الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد، لم يكن عملية أمنية ، بل رسالة سيادية:
لا سلاح خارج القرار المركزي، ولا إدارة موازية داخل المدن الكبرى.

في هذا السياق، جاء التعامل مع قسد كنموذج .
قسد لم تتراجع لأنها ضعيفة، بل لأنها فقدت بيئتها الاستراتيجية:
تراجع الغطاء الأميركي، انكشاف التناقض مع العشائر العربية، وغياب أي أفق دولي لمشروع حكم ذاتي مسلح ، وانسجام تركي ، وانحسار إيراني ..

الأهم أن دمشق لم تذهب إلى منطق الإقصاء، بل إلى تفكيك الذرائع.
قرار سوريا المركز المتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية للأكراد لم يكن خطوة رمزية، بل ضربة سياسية ذكية:
سحب البساط من تحت خطاب الاضطهاد ، مقابل تثبيت مبدأ الدولة الواحدة.

الجغرافيا السورية… أين تتجه البوصلة؟

سوريا اليوم تُدار بثلاث أولويات جغرافية واضحة : المدن الكبرى ، لا جيوب مسلحة داخلها، مهما كان الثمن .
الشرق السوري (دير الزور ، القامشلي ، شرق الفرات) ، تفكيك قسد سياسيًا واجتماعيًا قبل أي مواجهة عسكرية، عبر العشائر والاقتصاد المحلي .
و الجنوب السوري ، توحيد القرار الأمني دون انفجار، لأن كلفة الفوضى هناك إقليمية لا محلية.

وهنا يدخل العامل الأخطر: العشائر.

العشائر… اللاعب الصامت الذي يغيّر النتائج

في الشرق، العشائر العربية لم تكن يومًا جزءًا حقيقيًا من مشروع قسد.
تحالفت معها اضطرارًا، وتنتظر لحظة الخروج الآمن من هذا التحالف.
أي تراجع لقسد يعني تلقائيًا انحيازًا عشائريًا نحو الدولة أو حيادًا إيجابيًا يسهّل عودتها.

في الجنوب، العشائر تمثّل خط الدفاع الاجتماعي الأول عن الحدود الأردنية.
درعا والسويداء وجنوب سوريا مع الأردن ، ليست بيئة حاضنة لحكم ذاتي مسلح، وأي محاولة لاستنساخ نموذج قسد هناك كانت ستفجّر الجنوب وتضع الأردن أمام تهديد حقيقي .

لماذا يهمّ هذا الأردن تحديدًا؟

الأردن لم يكن يومًا طرفًا في الصراع السوري، لكنه كان أكثر المتأثرين به.
تهريب مخدرات، سلاح، تسلل، واستنزاف أمني مستمر ، ايجاد بيئة حاضنة للتقوس الاسرائيلي .. الهجري .

من منظور أردني ، سوريا موحّدة وقوية أفضل من سوريا مجزأة وضعيفة ، دولة مركزية في دمشق، حتى لو كانت صارمة، أخطر أقل من عشرات الميليشيات ، انحسار قسد شمالًا يُغلق الباب أمام أي مغامرة جنوباً .
كل هذا الانتكاسات للخلائف السابقة المسلحة والجيوب واختصار الانفصال يعطي قوة دولة في مواجهة التمدد الإسرائيلي غرب دمشق ..

استقرار الجنوب السوري يعني ، حدود أكثر هدوءًا ، كلفة أمنية أقل ، عودة منطق الدولة بدل منطق العصابات.

ما الذي نشهده فعلًا؟

نحن لا نشهد نهاية الأزمة السورية، بل نهاية مرحلة الفوضى المنظمة.
سوريا تعيد تركيب نفسها ببطء، وبكلفة محسوبة، وبوعي إقليمي متزايد أن البديل أسوأ للجميع.

أما الأردن، فهو أمام حقيقة واضحة:
كل خطوة سورية نحو توحيد القرار، هي خطوة في صالح أمنه القومي،
وكل فشل في ذلك… ستزداد حدة التوتر والتصعيد الحدودي .

هذا ليس موقفًا سياسيًا،
بل حساب أمن قومي بحت.