"بمشي كتير ورجلي بيوجعوني" .. كيف تحوّل مشوار المدرسة في غزة من رحلة آمنة إلى معركة بقاء؟

mainThumb
"بمشي كتير ورجلي بيوجعوني".. كيف تحوّل مشوار المدرسة في غزة من رحلة آمنة إلى معركة بقاء؟

21-01-2026 12:07 PM

printIcon

أخبار اليوم - قبل عامين، كان مشهد الحافلات المدرسية وهي تطرق أبواب المنازل صباحًا لنقل الطلاب من "الباب إلى الباب" مألوفًا يمنح الآباء الطمأنينة والراحة. اليوم، وفي ظل تداعيات الحرب المستمرة للعام الثاني على قطاع غزة، استبدل هذا المشهد برحلات محفوفة بالتعب والتكاليف الباهظة، ومسافات يقطعها الطلاب سيرًا على الأقدام، مما جعل الوصول إلى المدرسة معركة يومية أخوض غمارها مع طفلتي "نور".

نور.. من رفاهية الحافلة إلى عناء الطريق

طفلتي نور حجازي (7 سنوات)، التي كانت قبل الحرب تعيش طفولتها الهادئة في الروضة، أصبحت اليوم طالبة في الصف الأول الابتدائي. لم تعد نور تنتظر "زمور" الحافلة أمام منزلنا، بل باتت تعتمد كليًا على مجهودها البدني الصغير ومرافقتي لها لتأمين وصولها إلى مدرستها الخاصة، التي اخترناها كخيار تعليمي بديل عن "النقاط التعليمية" التي تفتقر للكفاءة المطلوبة.


تقول زوجتي أسماء بنبرة يملؤها الإرهاق: "كانت الحافلة تأخذها من باب البيت وتعيدها إليه بمبلغ زهيد وشعور كامل بالأمان. اليوم تبدأ المعاناة منذ ساعات الفجر الأولى؛ نضطر لإيقاظ نور مبكرًا جدًا لنتمكن من تأمين وسيلة نقل أو السير لمسافات طويلة قبل رنين الجرس".

وبصفتي والدا وصحفيا يوثق هذه التفاصيل، أراقب نور يوميًا وهي تجاهد لفتح عينيها في الظلام، حيث لم يعد التعب يترك على ملامحها الصغيرة مكانًا لابتسامة الصباح. تصف نور رحلتها بكلمات بريئة تختصر المأساة: "بمشي كتير ورجلي بيوجعوني قبل ما أوصل الصف".

لم تعد حقيبتها المدرسية هي الثقل الوحيد، بل باتت خطواتها المتعثرة بين ركام الطرقات وبرد الصباح عبئًا ينهك قواها. فالطفل الذي يستهلك طاقته في صراع الطريق، كيف له أن يجد ما يكفي من الشغف لتعلم الحروف؟

رحلة تعليمية باهظة الثمن ومجهدة

تحولت المواصلات في غزة اليوم إلى "ثقب أسود" يلتهم الدخل المحدود، فالمبالغ التي كانت تدفع شهريًا للحافلة سابقًا تضاعفت عدة مرات الآن لتغطية تكلفة "النقل الخاص" نتيجة شح الوقود وتهالك الطرق.

هذا الواقع المرير يشاركه آلاف الآباء، منهم المهندس ضياء أبو عاصي (42 عامًا)، الذي يصف معاناة أبنائه عند توجههم إلى "مدرسة المستقبل الخاصة"، الأقرب لسكنه رغم بعد مسافتها الشاسعة.

وفي حديثه لـ "فلسطين أون لاين"، يقول أبو عاصي: "أضطر وزوجتي للاستيقاظ في ساعات الفجر لإشعال النار وتجهيز وجبات الإفطار. غالبًا ما أتولى بنفسي إيصال ابنتي الصغيرة أو ابني البكر في رحلة شاقة عبر طرق وعرة، تزداد سوءًا في موسم الأمطار، مما تسبب في مرض أبنائي مرارًا نتيجة التعرض المباشر للأجواء القاسية".

ويؤكد أبو عاصي أن التوجه للمدارس الخاصة ليس "رفاهية"، بل بحث عن بيئة تعليمية متكاملة وجو دراسي أكثر انضباطًا وجودة، لكنه يضع الأهالي أمام تحديات لوجستية وصحية هائلة. ودعا "لجنة التكنوقراط" الجديدة لوضع ملف التعليم في مقدمة أولوياتها، وتدشين برامج تعليمية ومواصلات مخفضة لتخفيف العبء عن الطلاب بعد عامين من الحرب الضروس.

أثر الطريق على الصحة النفسية والتعليمية

وتوضح المختصة في الإرشاد التربوي والنفسي، علا الغرة، أن ما يواجهه الأطفال يتجاوز التعب الجسدي العابر، خاصة مع اضطرارهم أحيانًا للوقوف في طوابير المياه أو التكايا قبل أو بعد المدرسة.

وتضيف الغرة: "عندما يبذل الطفل مجهودًا بدنيًا شاقًا ويواجه ضغوطًا في طريقه للمدرسة، يدخل الفصل الدراسي وحالته الذهنية في وضعية (البقاء) لا (التعلم). هذا الإرهاق يقلل من قدرة الدماغ على التركيز، وقد يؤدي على المدى البعيد إلى ربط التعليم في وعي الطفل بالألم والجهد الشاق بدلاً من المعرفة والاستمتاع".

وحذرت الغرة من أن غياب منظومة نقل آمنة قد يدفع بعض العائلات إلى التفكير في ترك التعليم تمامًا، وجهت نداءً حارًا للمؤسسات الدولية والمحلية بضرورة إيجاد حلول لوجستية للطلاب، مؤكدة أن الاحتلال الإسرائيلي هو المسبب الرئيسي لهذه المعاناة الإنسانية.

صمود أبنائنا رغم التحديات

بينما أحاول مساعدة "نور" على استيعاب دروسها بعد عودتها الشاقة، يبقى صراعنا اليومي مع الوقت والطريق شاهدًا على إصرار الأهالي في غزة على استكمال مسيرة الحياة. في غزة، لم يعد العلم مجرد "كتاب وقلم"، بل أصبح رحلة صمود تبدأ بدموع الاستيقاظ المبكر وتنتهي بمعجزة الوصول إلى الفصل الدراسي.

فلسطين أون لاين