"مجلس السلام" بين إدارة الدمار وتقويض الشرعية الدولية

mainThumb
"مجلس السلام" بين إدارة الدمار وتقويض الشرعية الدولية

24-01-2026 09:59 AM

printIcon

أخبار اليوم - لم يطرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "مجلس السلام" بوصفه مبادرة دبلوماسية تقليدية، بل كإعلان عن نموذج حكم جديد يتجاوز الأطر الدولية القائمة، ويضع غزة في قلب تجربة سياسية غير مسبوقة.

فالدعوة التي وجهها لقادة دول للانضمام إلى مجلس يقوده بصفته الشخصية، ويشترط مساهمات مالية ضخمة مقابل العضوية، لا تعكس سعيا لإنهاء حرب بقدر ما تكشف عن محاولة لإعادة تعريف من يملك حق إدارة مناطق مدمرة، ومن يقرر مصير شعوبها، خارج منظومة الأمم المتحدة والقانون الدولي.

في هذا السياق، لا تبدو غزة سوى نقطة الانطلاق. فغياب أي تمثيل فلسطيني، وتزامن الإعلان مع تصريحات عن التهجير "الطوعي" وإعادة الإعمار المشروطة، يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة "السلام" المطروح: هل هو مسار لإنهاء مأساة إنسانية، أم نموذج أولي لإدارة ما بعد الحروب بالقوة والمال، يمكن تعميمه لاحقا على مناطق نزاع أخرى في العالم؟

وفي قراءة نقدية للمشروع، اعتبرت صحيفة "الغارديان" البريطانية، في مقال للصحافي أوين جونز، أن ما يسمى بـ"مجلس السلام" يندرج ضمن مقاربة استعمارية جديدة لا تقتصر على غزة، بل تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي خارج أطره التقليدية.

ورأت الصحيفة أن استبعاد الفلسطينيين بالكامل من المجلس، إلى جانب تركيبة أعضائه التي تضم زعماء ذوي سجلات قمعية ومطوري عقارات ورجال أعمال، يكشف أن غزة تُعامل كنموذج تجريبي لإدارة ما بعد الدمار بالقوة والمال.

وحذرت "الغارديان" من أن تحويل القطاع إلى مختبر لتكنولوجيا القمع والإدارة المفروضة لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يحمل إنذارا لمستقبل العالم، حيث يجري تقويض القانون الدولي واستبداله بنماذج حكم تقوم على النفوذ والصفقات.

ما هو "مجلس السلام"

قال دونالد ترامب إن مجلس السلام يهدف إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، عبر صندوق دولي تشارك فيه الدول الراغبة بعضوية دائمة مقابل مساهمات مالية. وبحسب وزير الخارجية الأمريكي، فقد أبدت نحو 20 إلى 25 دولة استعدادها للانضمام إلى المجلس، كان آخرها رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي.

ويعمل المجلس خارج إطار الأمم المتحدة أو أي مؤسسة دولية قائمة، ويقوده ترامب بصفته الشخصية لا بصفته رئيسا للولايات المتحدة، وفقا لما ورد في الإعلان الرسمي. وتشير مسودة الميثاق، كما نقلت وسائل إعلام دولية، إلى أن ترامب سيتولى الإشراف على إدارة الصندوق المالي وآليات تمويله.

ولا يتضمن تشكيل المجلس أي تمثيل فلسطيني، كما لا يذكر دورا للأمم المتحدة أو لوكالاتها المعنية بالإغاثة وإعادة الإعمار، مكتفيا بدعوة قادة دول وشخصيات سياسية واقتصادية للمشاركة، دون الإعلان عن معايير واضحة للعضوية أو جدول زمني لبدء عمله.

غزة كنقطة اختبار

ويرى المحلل السياسي طلال عوكل أن طرح "مجلس السلام" لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للحرب على غزة، ولا عن التحولات الجارية في النظام الدولي، معتبرا أن القطاع جرى تحويله إلى "ساحة اختبار سياسية" لمشاريع تتجاوز إعادة الإعمار أو إدارة ما بعد الحرب.

ويقول عوكل لـ "فلسطين أون لاين" إن "غزة لا تُطرح هنا كقضية إنسانية أو سياسية تحتاج إلى حل عادل، بل كنموذج أولي لإدارة مناطق مدمرة بالقوة، خارج أي التزام بالقانون الدولي أو بحقوق السكان الأصليين"، مضيفا أن "غياب الفلسطينيين بالكامل عن المجلس ليس تفصيلا، بل جوهر الفكرة المطروحة".

ويشير إلى أن تصريحات ترامب بشأن إمكانية مغادرة سكان غزة "إذا توفرت لهم ظروف أفضل"، تعكس رؤية قديمة-جديدة تقوم على "إفراغ الأرض من سكانها ثم إعادة توظيفها سياسيا واقتصاديا"، مؤكدا أن "ما يُسوَّق على أنه تهجير طوعي هو في الواقع نتيجة مباشرة لتحويل الحياة إلى جحيم لا يُطاق".

ويضيف عوكل أن "غزة اليوم ليست فقط تحت القصف، بل تحت إعادة تعريف وظيفي، حيث يجري التعامل معها كمساحة قابلة للإدارة والتجريب، سواء عبر مشاريع إعادة إعمار مشروطة، أو عبر نماذج حكم هجينة يقودها فاعلون دوليون من خارج الإقليم".

ويحذر من أن "تجاوز الأمم المتحدة في ملف بحجم غزة يعني كسر أحد آخر الحواجز التي كانت تمنح النظام الدولي شكلا من أشكال الشرعية"، معتبرا أن "ما يجري ليس فقط تقزيما لدور المنظمة الدولية، بل محاولة لبناء بديل عنها يخضع لمنطق المال والنفوذ لا للقانون والتمثيل".


المحلل السياسي طلال عوكل


وفي قراءة لأسماء الشخصيات والدول المدعوة للمجلس، يقول عوكل إن "اللافت أن معظم الأسماء المطروحة لا تملك سجلا في بناء السلام، بل في إدارة الصراعات أو الاستثمار في الخراب"، مضيفا أن "وجود مطوري عقارات ورجال أعمال إلى جانب زعماء ذوي نزعات سلطوية يكشف أن غزة تُنظر إليها كفرصة، لا كمأساة".

ويؤكد أن خطورة "مجلس السلام" لا تكمن فقط فيما قد يفعله في غزة، بل في تحوله إلى سابقة، موضحا أن نجاح هذا النموذج، حتى جزئيا، قد يفتح الباب لتكراره في مناطق نزاع أخرى، حيث يُستبعد السكان، وتُهمّش الشرعية الدولية، ويُدار المستقبل عبر صفقات مغلقة".

ويختم عوكل بالقول إن "غزة تُستخدم اليوم كحقل تجارب سياسي، وإذا لم يُكسر هذا المسار مبكرا، فإن ما يُجرَّب على الفلسطينيين قد يصبح غدا نموذجا معمما على عالم أكثر قسوة وأقل عدالة".

الأمم المتحدة على الهامش

من جهته، يعتبر المحلل السياسي وأستاذ الإعلام في جامعة أبو ديس، أحمد رفيق عوض، أن أخطر ما في ما يسمى بـ"مجلس السلام" ليس تركيبته أو أعضاؤه فحسب، بل "الفكرة التي يقوم عليها، وهي تجاوز منظومة الشرعية الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، وبناء إطار مواز يخضع لإرادة طرف واحد".

ويقول عوض لـ"فلسطين أون لاين" إن "ترامب لا يخفي رغبته في تقويض النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، لأن هذا النظام، رغم علّاته، يفرض قيودا قانونية وأخلاقية على القوة، وهو ما يتناقض تماما مع رؤية ترامب للعالم كمساحة صفقات ونفوذ مباشر".

ويضيف أن حديث ترامب عن إمكانية أن يكون "مجلس السلام" بديلا للأمم المتحدة "ليس زلة لسان ولا دعاية سياسية، بل تعبير صريح عن مشروع متكامل يسعى إلى إعادة توزيع السلطة العالمية خارج المؤسسات متعددة الأطراف"، موضحا أن "غزة اختيرت لأنها الحلقة الأضعف، ولأن الكلفة السياسية والأخلاقية لتجريب هذا النموذج فيها تُعد، من وجهة نظر واشنطن، الأقل".

ويرى عوض أن "إقصاء الأمم المتحدة من ملف غزة يعني عمليا إلغاء المرجعيات القانونية المتعلقة بالاحتلال، وحقوق اللاجئين، وجرائم الحرب، وتحويل القضية من مسألة حقوق إلى مسألة إدارة"، مضيفا أن "حين تُدار المأساة بدلا من حلها، يصبح الضحية مجرد رقم في ميزانية إعادة الإعمار".

ويشير إلى أن "التركيبة المقترحة للمجلس، والتي تضم زعماء ذوي نزعات سلطوية ورجال أعمال ومطوري عقارات، تكشف بوضوح أن المشروع لا يقوم على فكرة السلام، بل على استثمار ما بعد الدمار"، مؤكدا أن "السلام لا يُصنع دون أصحاب الأرض، ولا يمكن شراؤه بالأموال".


المحلل السياسي وأستاذ الإعلام في جامعة أبو ديس، أحمد رفيق عوض


ويحذر عوض من أن "نجاح هذا المسار سيشكل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية"، قائلا إن "إذا ما تم القفز عن الأمم المتحدة في غزة اليوم، فسيكون من السهل القفز عنها غدا في أوكرانيا، أو أفريقيا، أو أي منطقة نزاع أخرى، ما يعني دخول العالم مرحلة فوضى دولية مقننة".

ويختم بالقول إن "ما نشهده ليس فقط تراجعا في مكانة الأمم المتحدة، بل محاولة متعمدة لإفراغها من مضمونها"، مضيفا أن "النظام الدولي لا ينهار دفعة واحدة، بل يبدأ بالتآكل من القضايا التي يُعتقد أنها بلا حماية، وغزة اليوم في قلب هذا التآكل".

فلسطين أون لاين