أخبار اليوم - في كل مرة يعود فيها الحديث عن عفو عام إلى الواجهة، ينقسم النقاش تلقائيًا إلى مسارين متقابلين: مسار ينتظر “لمّة البيوت” ويرى في العفو بابًا للأمل، ومسار آخر يضع “أمن الناس” في المقدمة ويعتبره خطًا أحمر لا يحتمل التجربة. ما شهدته الأيام الماضية من جرائم متفرقة أعاد هذا النقاش من مساحة التمنّي إلى مساحة الأسئلة الثقيلة: هل ما جرى أغلق باب العفو نهائيًا، أم أنه كشف أصل الإشكال وفرض التفكير بعفو مختلف لا يشبه ما سبقه؟
على الأرض، تغيّر المزاج العام بوضوح. تكرار الجريمة خلال فترة قصيرة لا يُقرأ كوقائع منفصلة، بل كإحساس عام بعدم الطمأنينة. الناس لا تفكّر بنصوص قانونية ولا بتوصيفات قانونية دقيقة، بل بسؤال مباشر: هل الشارع آمن؟ هل العقوبة رادعة فعلًا؟ وهل من يشكّل خطرًا على حياة الآخرين قد يعود سريعًا إلى الدائرة نفسها؟ من هنا يتشكّل رفض حاد لفكرة “العفو الشامل”، ليس لأن المجتمع يعادي الرحمة، بل لأنه يخشى أن تتحول الرحمة إلى رسالة خاطئة، مفادها أن الجرائم الثقيلة يمكن تجاوزها بسهولة، وأن دم الضحية قد يُختصر بدعوة للصبر والتهدئة بينما الألم ما زال مفتوحًا.
في الجهة الأخرى، يبرز خطاب لا يقل إنسانية، ينظر إلى العفو من زاوية مختلفة. السجن، في كثير من الحالات، لا يعاقب شخصًا واحدًا فقط، بل يترك أثره على أسرة كاملة: أم تتحمل العبء وحدها، أطفال يتغير مسار حياتهم، وبيت يعيش تحت ضغط اقتصادي واجتماعي قاسٍ. هذا الطرح لا يدافع عن القتل أو الجرائم الخطرة، ولا يطالب بإطلاق سراح من يشكل تهديدًا حقيقيًا، لكنه يميّز بين من ارتكب جريمة جسيمة وبين من تعثر لأول مرة، أو أنهى قضيته بالصلح، أو يحتاج إلى علاج وإصلاح أكثر مما يحتاج إلى سنوات إضافية داخل بيئة قد تعمّق الانحراف بدل أن تعالجه.
الانقسام الحقيقي في الشارع لم يعد بين مؤيد للعفو ومعارض له فقط، بل بين من يريد عفوًا مفتوحًا بلا ضوابط، ومن يطالب بعفو محسوب بدقة. كثيرون باتوا يرون أن الجرائم الأخيرة لم تُسقط فكرة العفو بالكامل، لكنها أسقطت فكرة العفو السهل. بمعنى آخر، قد تكون هذه الأحداث هي الدافع للانتقال إلى نموذج مختلف: عفو مشروط وواضح، لا يترك مجالًا للاجتهاد أو الالتفاف، ويُبقي باب العودة إلى المجتمع مفتوحًا فقط لمن لا يشكل خطرًا حقيقيًا عليه.
السؤال الذي يتردد بقوة اليوم ليس: هل سيكون هناك عفو أم لا؟ بل: ما الذي سيجعل الناس مطمئنين إذا صدر عفو؟ الإجابة التي ينتظرها الشارع لا تكون عبر عبارات عامة أو وعود فضفاضة، بل عبر معايير واضحة: فصل صارم بين الجرائم التي تمس أمن المجتمع وبين القضايا القابلة للإصلاح، عدم تحويل العفو إلى استحقاق دوري يضعف هيبة الردع، وربط أي إفراج بسلوك مثبت وبرامج إصلاح حقيقية، حتى لا يعود الخارج من السجن بالعقلية نفسها التي دخل بها. الخوف الأكبر ليس من مبدأ العفو، بل من نتائجه إذا جاء بلا حساب: ارتفاع في الجريمة، شعور عام بالظلم، وإحساس بأن القانون يلين في غير موضعه ثم يشتد على الضعفاء.
في الوقت نفسه، يصعب تجاهل أن ملف العفو يرتبط دائمًا بسياق اجتماعي واقتصادي ضاغط، وبعائلات تعيش على أمل عودة غائبين. لهذا يصبح التوازن ضرورة لا خيارًا: حماية أمن المجتمع وحقوق الضحايا، دون إغلاق الباب أمام من يستحق فرصة ثانية وفق معيار لا يفرّغ القانون من معناه ولا يفرغ الرحمة من مضمونها.
ما يبحث عنه الناس اليوم ليس جوابًا مختصرًا بنعم أو لا، بل تعريفًا دقيقًا لماهية العفو. فإذا كان الحديث عن عفو لا يفرّق بين خطر يهدد حياة الناس وزلة يمكن تصحيحها، فإن ما جرى مؤخرًا جعله صعب القبول نفسيًا واجتماعيًا. أما إذا كان الحديث عن عفو مضبوط بشروط واضحة وضمانات حقيقية، فإن الجرائم الأخيرة قد لا تكون أنهت الفكرة، لكنها بالتأكيد أعادت رسم حدودها وجعلت الطريق إليها أكثر صرامة وأقل قابلية للمجاملة.