أخبار اليوم - صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت)، على سلسلة قرارات وُصفت بأنها "خطيرة" وتهدف إلى إعادة تشكيل إدارة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، وتعزيز مشروع ضمها لإسرائيل والتوسع الاستيطاني عليها.
تشمل هذه القرارات السماح بهدم المباني الفلسطينية حتى في المناطق المصنفة "أ" وفق اتفاق أوسلو، والخاضعة للسيطرة السلطة الفلسطينية، وتشديد ملاحقة المنشآت غير المرخصة في مناطق "أ" و"ب" بحجة حماية المواقع الأثرية، مما يتيح للاحتلال مصادرة الأراضي وتنفيذ عمليات الهدم.
وقسّم اتفاق أوسلو الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية إلى 3 مناطق، هي المناطق (أ) و(ب) و(ج)، تفصل بينها حواجز ومستوطنات ومعسكرات لجيش الاحتلال، ولكل منطقة ترتيبات وسلطات أمنية وإدارية مختلفة عن الأخرى.
وترفع قرارات الكابينت الأخيرة السرية عن سجل الأراضي في الضفة، وتمكّن الأفراد عامة، والمستوطنين خاصة، من الاطلاع على أسماء المالكين والتواصل معهم مباشرة لشراء الأراضي، إضافة إلى إلغاء قيود بيع الأراضي لليهود، وتسهيل تملكهم لها بشكل مباشر دون تعقيدات بيروقراطية.
وتتعارض هذه الإجراءات مع "اتفاق الخليل" الموقّع بين الفلسطينيين والإسرائيليين في يناير/كانون الثاني 1997، الذي نص على إعادة انتشار قوات الاحتلال في المدينة وتقسيمها إلى منطقتين:
"إتش1" (H1) التي تشكل 80% من مساحة المدينة وتخضع للسلطة الفلسطينية.
و"إتش2″ (H2) التي تشكل 20% من المدينة، وبقيت تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، ونُقلت الصلاحيات المدنية فيها إلى السلطة الفلسطينية.
ومع القرارات الجديدة، ستصبح كل الصلاحيات الأمنية والمدنية تحت سيطرة الاحتلال.
ويقود هذه القرارات وزيرا الدفاع يسرائيل كاتس والمالية بتسلئيل سموتريتش، وتهدف إلى توسيع الاستيطان بشكل كبير، وربط أية محاولة لإلغائه بعقبات قانونية، وفق صحيفة "يديعوت أحرونوت".
وتعد هذه القرارات إعلانا رسميا لتحلل إسرائيل من اتفاقيات أوسلو واتفاق الخليل، وفق "هآرتس"، بما يمهد لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وتقليص دور السلطة الفلسطينية إلى دور رمزي.
مع هذه التطورات، يثار العديد من التساؤلات حول تأثير قرارات الكابينت في الضفة الغربية، وما التغييرات المتوقعة في أنظمة الحكم والسيطرة على الأراضي الفلسطينية من قوانين مدنية إلى تعليمات عسكرية، وكيف ستؤثر هذه القرارات في الحياة اليومية للفلسطينيين.
محتوى قرارات الكابينت
نقل صلاحيات ترخيص البناء في مدينة الخليل، بجنوب الضفة الغربية، بما فيها المسجد الإبراهيمي، من بلدية الخليل إلى وحدة "الإدارة المدنية" التابعة للاحتلال، مما يؤدي إلى توسيع البؤرة الاستيطانية وإفراغ اتفاق الخليل من مضمونه.
تحويل البؤرة الاستيطانية في الخليل إلى سلطة محلية مستقلة، وفصل مسجد بلال أو "قبة راحيل" في بيت لحم عن بلدية المدينة، عبر إنشاء "مديرية سلطة محلية"، مما يمهد لضم المنطقة لإسرائيل.
رفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة، بما يتيح للمستوطنين الاطلاع على الملكيات والتعامل مباشرة مع المالكين.
إلغاء قيود بيع الأراضي لليهود التي وضعها القانون الأردني الذي كان ساريا على الضفة الغربية قبل احتلال عام 1967، وتمكين المستوطنين من شراء الأراضي بحرية وبسهولة، وفق نموذج قريب من قانون الملكية الإسرائيلي.
تداعيات القرارات على الفلسطينيين
تقويض ملكية الفلسطينيين لأراضيهم، وفتح المجال لسلبها لصالح المستوطنات وبحجج متعددة.
تكرار نموذج تملك الأراضي من أصحابها الأصليين، وإعادة تسجيلها باسم المستوطنين كما حصل في فترة الانتداب البريطاني.
تقليص أي نفوذ فعلي للسلطة الفلسطينية، وتحويلها إلى كيان شكلي بلا صلاحيات حقيقية.
إعادة تفعيل "لجنة شراء الأراضي بالضفة"، مما يمنح الحكومة الإسرائيلية صلاحيات مباشرة في تسجيل ملكياتها لصالح المستوطنين، بما يكرس مفهوم ضم أراضي الضفة لإسرائيل بشكل كامل.
توسيع صلاحيات الرقابة على المياه والمواقع الأثرية بدعوى المخاطر البيئية في مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية "أ" و"ب"، مما يمنح الإدارة المدنية الإسرائيلية القدرة على وقف البناء الفلسطيني، وفرض الغرامات، وتنفيذ عمليات الهدم.
"الطابو" (ملكيات الأراضي)
خصصت حكومة الاحتلال الإسرائيلي 225 مليون شيكل ضمن موازنة 2026 لإنشاء وحدة "طابو" إسرائيلية في الضفة، بناء على قرار الكابينت في مايو/أيار 2025. ويقضي ذلك بإلغاء عقود ملكيات الأراضي "الطابو الفلسطيني" واستئناف تسجيل أراضي مناطق "ج" ضمن سجلات الطابو الإسرائيلي.
وتشكل مناطق "ج" نحو 60% من مساحة الضفة (حوالي 3.4 ملايين دونم) وتخضع بالكامل للسيطرة الإسرائيلية العسكرية، ونحو 70% منها مصنفة أراضي "أميرية" أي بدون سندات طابو، مما يجعلها عرضة للمصادرة مباشرة.
هدم المباني
في الوضع الحالي، تخضع المباني في مناطق "أ" و"ب" لمسؤولية السلطة الفلسطينية، ولا يجوز هدمها إلا وفق آليات محددة. وبعد هذا القرار سيستطيع الاحتلال هدم المباني الفلسطينية حتى في المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، بحجة حماية المواقع الأثرية، مما يوسع قدرته على مصادرة الأراضي.
وفي صلاحيات ترخيص المباني في الخليل والوضع الحالي فإن بلدية الخليل هي المسؤولة عن منح التراخيص وإدارة المباني المدنية، مع إشراف محدود للاحتلال على المنطقة الواقعة تحت سيطرته بالبلدة القديمة.
أما بعد القرار، فستنقل صلاحيات الترخيص إلى "الإدارة المدنية" التابعة للاحتلال، مما يوسع البؤرة الاستيطانية الواقعة في قلب المدينة القديمة، ويفرغ "اتفاق الخليل" من محتواه.
وفيما يتعلق بالسلطة المحلية، ففي الوضع الحالي تدير البلديات الفلسطينية شؤون السكان المدنيين في المدن الفلسطينية. وبعد القرار، سيتم إنشاء سلطات محلية مستقلة للمستوطنين في الخليل ومنطقة مسجد بلال في بيت لحم، تشبه البلديات الإسرائيلية.
أما سجلات الأراضي وشراء العقارات، ففي الوضع الحالي، تكون سجلات الأراضي مغلقة، ويجب الحصول على رخصة خاصة من الإدارة المدنية لإتمام أي عملية شراء أراضي لصالح اليهود.
أما فيما بعد القرار، فستُرفع السرية عن سجلات الأراضي وإلغاء الرخصة الخاصة، مما يسهّل شراء الأراضي من الفلسطينيين مباشرة.
القوانين والسلطة
في الوضع الحالي، يمنع القانون الأردني (الذي كان ساريا على الضفة الغربية قبل احتلال 1967) بيع الأراضي لليهود. وفيما بعد القرار سيُلغى القانون الأردني وتُزال قيوده، مما يتيح شراء الأراضي بحرية وفتح المجال أمام المستوطنين والشركات المرتبطة بهم لتملك أراضي الفلسطينيين في الضفة.
أما بخصوص الرقابة على الموارد والبنى التحتية، فالسلطة الفلسطينية تدير المياه، والآثار، والمخاطر البيئية في مناطق "أ" و"ب". وبعد قرارات الكابينت، ستتوسع صلاحيات "الإدارة المدنية التابعة للاحتلال" بما يمكنها من إصدار أوامر وقف أو فرض غرامات وهدم منشآت قائمة.
وفيما يتعلق بدور وصلاحيات السلطة الفلسطينية، فحاليا لها دور فاعل في التخطيط المدني والإدارة البلدية، ولكن بعد القرار سيتم تقليصه إلى دور رمزي، مع تحويل كافة الصلاحيات الفعلية في الأراضي والإدارة المدنية إلى الاحتلال.
الجزيرة