لماذا يعتقد الأردنيون أن الأردن هو عمّان فقط؟

mainThumb
لماذا يعتقد الأردنيون أن الأردن هو عمّان فقط؟

12-02-2026 04:05 PM

printIcon

أخبار اليوم - عواد الفالح - يتردد على ألسنة كثيرين، في المحافظات قبل العاصمة، سؤالٌ يحمل في داخله شيئًا من الغضب وشيئًا من المرارة: هل أصبح الأردن هو عمّان فقط؟ ولماذا تختصر صورة الدولة في أحياء محددة مثل دابوق وعبدون ودير غبار، بينما تبدو مدن بأكملها خارج عدسة الاهتمام؟

في إربد والكرك والطفيلة ومعان والسلط والمفرق، يتحدث مواطنون عن فجوة يشعرون بها يوميًا، فجوة لا تتعلق بالشعارات بقدر ما ترتبط بالخدمات الأساسية وفرص العمل وحركة الاستثمار. يقول أحد أبناء الجنوب إن الطريق إلى العاصمة لا يُقاس بعدد الكيلومترات، بل بحجم الفارق في نوعية الحياة. “في عمّان كل شيء متاح: مستشفيات خاصة، جامعات، شركات كبرى، وظائف، فعاليات. عندنا حتى معاملة بسيطة قد تتطلب سفرًا وانتظارًا طويلًا”.

هذا الشعور لا ينفصل عن واقع اقتصادي يتركز فيه النشاط الاستثماري في العاصمة ومحيطها. أرقام الشركات المسجلة، وحجم المشاريع الكبرى، ومراكز القرار الإداري والمالي، كلها تتركز في عمّان. مواطن من محافظة في الشمال يقول إن أبناء مدينته، بعد التخرج، لا يجدون أمامهم سوى خيارين: إما الهجرة إلى العاصمة بحثًا عن فرصة، أو البقاء في دائرة البطالة. “صرنا نربي أولادنا ليرحلوا، مش ليبنوا مدينتهم”.

في المقابل، يرى آخرون أن عمّان بحكم كونها العاصمة السياسية والإدارية والاقتصادية، من الطبيعي أن تستقطب الجزء الأكبر من الاستثمار. أحد العاملين في القطاع الخاص يشير إلى أن المستثمر يبحث عن البنية التحتية الجاهزة، وشبكات النقل، والقرب من مراكز القرار، وهذا ما يتوفر في العاصمة. لكنه يعترف بأن استمرار هذا التمركز دون خطط جدية لتوزيع التنمية يعمّق الإحساس بالتهميش.

الخدمات العامة تمثل وجهًا آخر من أوجه هذا النقاش. سكان بعض المحافظات يشكون من نقص في الكوادر الطبية المتخصصة، أو تأخر في تنفيذ مشاريع البنية التحتية، أو ضعف في المرافق الثقافية والرياضية. شابة من محافظة في الجنوب تقول إن الأنشطة والفعاليات الكبرى تقام غالبًا في عمّان، بينما تبقى المدن الأخرى خارج المشهد. “حتى الفرح العام يبدو أنه عنوانه العاصمة”.

ومع ذلك، يرفض بعض المواطنين توصيف المسألة باعتبارها “تمييزًا متعمدًا”، ويرونها نتيجة تراكمات طويلة. أحدهم يقول إن الدولة حاولت خلال السنوات الماضية إطلاق مناطق تنموية وصناعية في المحافظات، لكن النتائج لم تكن بالمستوى المأمول بسبب ضعف الإقبال الاستثماري أو تعثر التنفيذ. ويضيف أن الحل لا يكمن في نقل المشاريع شكلًا، بل في خلق بيئة متكاملة تشجع الاستقرار والعمل خارج العاصمة.

مراقبون يعتبرون أن الإحساس بأن “الأردن هو عمّان” ليس مجرد انطباع عابر، بل انعكاس لتفاوت في توزيع الموارد والفرص. فعندما ترتبط الوظيفة النوعية، والخدمة الأفضل، والفرصة الاستثمارية، بعنوان جغرافي محدد، يتكرس شعور بأن بقية المناطق تعيش على هامش المركز. وهذا الشعور، حتى لو لم يكن مقصودًا، يترك أثرًا عميقًا على العلاقة بين المواطن والدولة.

في المقابل، يشير آخرون إلى أن عمّان نفسها ليست كتلة واحدة من الرفاه، وأن فيها أحياء تعاني من تحديات اقتصادية وخدمية مشابهة لما تعانيه بعض المحافظات. لكنهم يعترفون بأن الصورة الذهنية السائدة، داخليًا وخارجيًا، تختزل الأردن في نطاق ضيق، ما يعمق الفجوة الرمزية بين المركز والأطراف.

يبقى السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار والمجتمع معًا: كيف يمكن إعادة توزيع الثقل التنموي بطريقة تضمن أن يشعر المواطن في الطفيلة أو جرش أو المفرق بأن له الحصة نفسها من الدولة التي يشعر بها ساكن دابوق أو عبدون؟ وكيف يمكن تحويل المحافظات من مناطق “إمداد بشري” للعاصمة إلى مراكز إنتاج وتنمية قائمة بذاتها؟

السؤال في جوهره ليس جغرافيًا فقط، بل يتعلق بصورة العدالة، ومعنى المواطنة المتساوية، وإحساس الأردنيين بأن وطنهم، بكل مدنه وقراه، هو مساحة واحدة لا تُختصر في أحياء بعينها.