كتب محمد الخطيب
مع بدء مناقشة مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026، تعود إلى الواجهة أسئلة جوهرية تتعلق بفلسفة إدارة هذا القطاع، لا بمجرد إعادة هيكلته. فالقضية ليست في دمج وزارات أو توحيد مرجعيات فحسب، بل في تحديد الموقع الصحيح لمفهوم «تنمية الموارد البشرية» داخل الدولة.
لا خلاف على أهمية تحديث قطاع التعليم، ولا على ضرورة توحيد السياسات وضمان الجودة وتحسين الحوكمة. لكن السؤال الأعمق: هل تنمية الموارد البشرية وظيفة تعليمية بحتة؟ أم أنها في جوهرها وظيفة اقتصادية مرتبطة بسوق العمل؟
التعليم يُعِدّ الإنسان علميًا ومعرفيًا، ويمنحه الأساس الأكاديمي. لكن تنمية الموارد البشرية تعني ما هو أبعد من ذلك: تعني تخطيط المهارات وفق احتياجات الاقتصاد، تعني إدارة التشغيل، تعني مواءمة مخرجات التعليم مع الطلب الفعلي في السوق، تعني قراءة التحولات القطاعية، وتوقع الوظائف المستقبلية، وقياس الإنتاجية.
وهنا يكمن الفارق الجوهري.
وزارة التربية والتعليم تُعِدّ الطالب. أما وزارة العمل فتتعامل مع العامل. الأولى تُخرّج، والثانية تُشغّل.
والتنمية الحقيقية للموارد البشرية تبدأ من المدرسة، نعم،،،،،،، لكنها تكتمل في سوق العمل.
عندما نضع «تنمية الموارد البشرية» ضمن الإطار التعليمي فقط، نخاطر بتحويلها إلى مفهوم نظري يرتبط بالمناهج والبرامج الأكاديمية، بينما حقيقتها مرتبطة مباشرة بمعدلات البطالة، وبسياسات التشغيل، وبالحوافز الاقتصادية، وبهيكلة المهن، وبمرونة سوق العمل.
تنمية الموارد البشرية ليست فصلًا دراسيًا. هي سياسة وطنية متكاملة لإدارة رأس المال البشري.
في الدول التي نجحت في ربط التعليم بالاقتصاد، كان ملف المهارات مرتبطًا بوزارات العمل أو مجالس وطنية لسوق العمل، لأن البوصلة هناك هي الطلب الاقتصادي الفعلي، لا العرض التعليمي فقط.
أنا مع التكامل بين المؤسسات، ومع وجود مجلس وطني يضع السياسات العليا، لكنني أؤمن بأن وضوح الاختصاص هو أساس المحاسبة والنجاح.
فإذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا، فعلينا أن نسأل: من يملك أدوات قياس الفجوة المهارية؟ من يملك بيانات التشغيل؟
من يملك أدوات تنظيم المهن وتحفيز التوظيف؟
الإجابة واضحة.
تنمية الموارد البشرية لا تُدار من القاعة الصفية وحدها، بل من قلب سوق العمل.
والدولة الحديثة لا تنجح بدمج العناوين، بل بتحديد المسؤوليات بدقة، ووضع كل ملف في مكانه الطبيعي.