السردية الوطنية الأردنية: إطار نظري ومنهجي في ضوء التحول الرقمي ومقارنة تطبيقية مع المملكة العربية السعودية

mainThumb
غسان عبدالكريم الزيود

16-02-2026 07:55 PM

printIcon



اعداد: غسان عبدالكريم الزيود
تتناول هذه الورقة مفهوم السردية الوطنية بوصفها أداة بنيوية في تشكيل الهوية السياسية وتعزيز الشرعية في الدول الحديثة، تنطلق الورقة من تحليل الحالة الأردنية منذ تأسيس الدولة في عهد الملك عبدالله الأول وصولاً إلى مرحلة التحديث السياسي والاقتصادي في عهد الملك عبدالله الثاني، مع إدراج مقارنة تطبيقية مع التجربة السعودية في إعادة صياغة السردية الوطنية ضمن إطار "الرؤية". تعتمد الدراسة مقاربة نظرية تستند إلى أدبيات بناء الأمة، والشرعية السياسية، وتحليل الخطاب، ونظريات المجتمع الشبكي. وتخلص إلى أن السردية الوطنية المستدامة تتطلب دمج الشرعية التاريخية مع الإنجاز المؤسسي، وربط الهوية بمشروع مستقبلي قابل للقياس، وإدارة واعية للفضاء الرقمي.
أولاً: المقدمة
لم يعد مفهوم السردية الوطنية مجرد إطار رمزي في الخطاب السياسي، بل أصبح عنصراً حاسماً في استدامة الدولة الحديثة. ففي سياق العولمة والتحول الرقمي، تتعرض الهويات الوطنية لضغوط متزايدة بفعل تعدد مصادر إنتاج المعنى وتراجع الاحتكار الرمزي للدولة، إذ يشهد العالم منذ مطلع القرن الحادي والعشرين ما يمكن وصفه بـ الانفجار المعرفي؛ حيث يتضاعف حجم المعرفة البشرية بوتيرة غير مسبوقة، وتتعدد مصادر إنتاج المعنى خارج الأطر التقليدية للدولة، ولم تعد المعرفة تُنتج حصراً في الجامعات أو المؤسسات الرسمية، بل أصبحت الشبكات الرقمية، والمنصات الاجتماعية، والذكاء الاصطناعي، فضاءات مركزية لصياغة الوعي.
في هذا السياق، تواجه السردية الوطنية الأردنية تحدياً مزدوجاً:
الحفاظ على تماسك الهوية من جهة، والانفتاح على عالم معرفي متسارع ومتعدد المرجعيات من جهة أخرى.
لذلك تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن السؤال التالي:
كيف يمكن بناء سردية وطنية أردنية حديثة تعزز الهوية السياسية وتدعم الشرعية في ظل التحولات الرقمية والاجتماعية؟
ثانياً: الإطار النظري
1. الأمة كبناء تخيلي
يشير بندكت أندرسون إلى أن الأمة "مجتمع متخيل" يُبنى عبر اللغة والإعلام والتعليم كما يؤكد هوبسباوم أن التقاليد السياسية تُعاد صياغتها لخدمة أهداف الدولة الحديثة في هذا السياق، تُعد السردية الوطنية أداة لإنتاج التخيل الجمعي المشترك الذي يجعل من ملايين الناس يشعرون أنهم مجتمع واحد، عبر ثلاثة مفاصل رئيسة هي:
1.اختيار محطات تاريخية مفصلية.
2. تأطيرها أخلاقياً وسياسياً،
3. إعادة إنتاجها مؤسسياً.

2. السردية والشرعية
وفق ماكس فيبر تقوم الشرعية على أنماط تقليدية وكاريزمية وقانونية-عقلانية، وفي الدولة الحديثة تتعزز الشرعية عبر الأداء المؤسسي ،فالسردية الوطنية تعمل كجسر يربط بين التاريخ والأداء، ويوفر إطاراً تفسيرياً لاستمرارية الدولة.

3. المجتمع الشبكي وإعادة تشكيل السلطة
يرى كاستلز أن السلطة في عصر الشبكات ترتبط بالقدرة على تشكيل المعنى داخل فضاءات الاتصال، بالتالي، فإن السردية الوطنية لم تعد تنتج داخل المؤسسات الرسمية فقط، بل في فضاء رقمي تنافسي، لكن في عصر السيولة المعرفية تصبح الهويات أقل ثباتاً وأكثر عرضة لإعادة التشكيل، والتحدي الأردني هنا ليس في الحفاظ على الثوابت، بل في إعادة تأطيرها معرفياً بحيث تبقى مقنعة في بيئة مفتوحة المعلومات.

ثالثاً: تطور السردية الوطنية الأردنية
1.مرحلة التأسيس
تمحورت السردية حول:
• الشرعية التاريخية الهاشمية.
• بناء الدولة والمؤسسات.
• دور الجيش في حماية الكيان السياسي.

2. مرحلة الاستقرار الإقليمي
برز خطاب الاعتدال والوساطة، وترسخت صورة الأردن كدولة استقرار في بيئة مضطربة، ونجى الأردن من محطات مصيرية آخرها أزمة الربيع العربي التي زلزلت عروش بعض الدول العربية وانهت الحكم فيها.

3. مرحلة التحديث
مع تسارع الإصلاحات السياسية والاقتصادية في عهد الملك عبدالله الثاني، ظهرت مفاهيم:
التحديث السياسي،الاقتصاد المعرفي،تمكين الشباب.غير أن التحول السردي لم يواكب بالكامل التحول الاجتماعي الرقمي، ما أدى إلى فجوة بين الخطاب المؤسسي والتجربة اليومية للمواطن.

رابعاً: إشكالية الفجوة السردية
تتمثل الفجوة في أربعة مستويات:
أ‌. فجوة بين الخطاب التنموي والواقع الاقتصادي.
الخطاب الرسمي يستخدم مفاهيم مثل : التحول الرقمي، التنافسية، الريادة والابتكار ، الاقصاد الأخضر، تحسين الظروف المعيشية للمواطن ، بينما التجربة اليومية تتسم بـ: ضغط ضريبي و ارتفاع تكاليف المعيشة، ومحدودية فرص العمل، وشعور عام بعدم تكافؤ الفرص، وهذا يؤثر على الثقة بمؤسسات الدولة والاحساس بالعدالة الاقصادية، والاستقرار الاجتماعي وعلى قوة السردية الوطنية.

ب‌. فجوة بين اللغة الرسمية ولغة الجيل الرقمي.
الجيل الرقمي يطلب أرقاماً، يريد تفسيراً ، يقارن عالمياً، ويشكك تلقائياً، بينما الخطاب الرسمي التقليدي، يميل إلى التعميم، ويحتفظ في التفاصيل، ويفضل الرسائل الايجابية العامة، ناهيك ان الجيل الرقمي مرجعيته عالمية يقارن الاردن بكندا وسنغافورة والسعودية، لذلك في عصر الانفجار المعرفي اللغة بيست أداة تواصل فقط بل أداة تشكيل شرعية.

ج. فجوة بين الرمزية التاريخية وتطلعات المستقبل.
السردية الأردنية تاريخياً ترتكز على:
• التأسيس وبناء الدولة في عهد الملك عبدالله الأول.
• الاستقرار في بيئة إقليمية مضطربة.
• دور الجيش والمؤسسات في حماية الكيان.
• الاعتدال السياسي والوساطة الإقليمية.
هذه الرموز قوية وشرعية ومؤثرة، ولكنها تنتمي أساساً إلى منطق "البقاء والصمود". بينما تطلعات الجيل الجديد الجيل الحالي لا يعيش لحظة التأسيس ولا الحروب الكبرى مرجعيته مختلفة:
يقارن اقتصادياً عالمياً، ويقيس النجاح بالدخل والفرص، يرى دولاً تقفز تكنولوجياً بسرعة، ويتوقع حياة ذات جودة عالية، هنا يحدث الاحتكاك: الرمز التاريخي يتحدث عن الصمود،بينما الجيل يتحدث عن الفرصة والازدهار، واختلاف منطق الزمن ففي الرمزية التاريخية: ترتكز على الماضي، تؤكد الاستمرارية، تستحضر البطولات و التضحيات.
أما تطلعات المستقبل: ترّكز على القفزة القادمة، تبحث عن التحول النوعي، تسأل: ماذا بعد؟ إذا لم يُربط الماضي بالمستقبل، يصبح الماضي عبئاً رمزياً لا دافعاً تحفيزياً، وفق تصنيف ماكس فيبر الشرعية التقليدية وحدها لا تكفي في مجتمع حديث؛ يجب أن تتكامل مع الشرعية الإنجازية.
أين تتجلى هذه الفجوة عملياً:
• ضعف ارتباط الشباب بالمناسبات الوطنية.
• محدودية الحماس للخطاب التاريخي.
• ارتفاع الاسئلة حول المستقبل الاقصادي.
• انتقال الاهتمام من "من نحن" إلى " ماذا سنصبح"؟
فجوة الرمزية التاريخية وتطلعات المستقبل هي فجوة بين: ذاكرة تأسيسية قوية ومستقبل لم يُعرَّف بعد بصورة كافية، وإذا بقيت السردية مشدودة إلى الماضي فقط،تضعف قدرتها التحفيزية، أما إذا قُطع الحبل مع الماضي ستفقد شرعيتها العميقة،السردية الوطنية الناجحة هي التي تقول:"ما فعلناه بالأمس هو سبب قدرتنا على ما سنفعله غداً."
ومثال ذلك جاءت احتفالات الأردن بالمئوية الاولى تحت شعار وتستمر المسيرة ، وتمت المحافظة على هذا الشعارات في الايام الوطنية الأردنية، بينما ذهبت السعودية لشعارها في اليوم الوطني لعام 2024 نحلم ونحقق وعام 2025 عزنا بطبعنا، ومن الشعارات الجميلة ذات الدلالة شعار هي لنا دار، وهذه الشعارات بدلالات كلماتها ورموزها البصرية جاءت لتعكس هوية المملكة العربية السعودية وتحولها المستقبلي وحفاظها على قيمها وتاريخيها موحدة من عام 1932 م

د. فجوة الانفجار المعرفي كتحول بنيوي
إذ لم تعد الدولة المصدر الوحيد للمعنى، وأصبح المواطن متلقياً ومنتجاً للمعلومة في آن واحد،تصاعدت السرديات العابرة للحدود، تراجعت قدرة الخطاب الأحادي على الإقناع، وهنا الانفجار المعرفي لا يعني فقط كثرة المعلومات، بل يعني تعددية التأويل، وسرعة التشكيك، وارتفاع سقف الوعي النقدي. إذا لم تُعالج هذه الفجوات الأربعة سفقد السردية قدرتها التعبوية والتوحيدية. تفكك المرجعية الوطنية إذا لم تُجدَّد السردية، هيمنة سرديات بديلة قد لا تنسجم مع الاستقرار الوطني، وتضخم المعلومات دون وعي نقدي مما يؤدي إلى التشوش لا التمكين.
خامساً: مقارنة تطبيقية مع الحالة السعودية
شهدت السعودية تحولاً سردياً ملحوظاً مع إطلاق "رؤية 2030". وانتقلت السردية من: شرعية ريعية تقليدية إلى: سردية تحديث قائمة على الإنتاج والإنجاز المرتبطة بالمؤشرات الزمنية ومؤشرات قياس الانجاز.
أوجه التشابه بين المملكتين: ملكية تستند إلى شرعية تاريخية، ومجتمع شاب يتطلب خطاباً جديداً، والحاجة إلى إعادة تعريف العقد الاجتماعي.
أما أوجه الاختلاف فكانت: بنية اقتصادية نفطية مقابل اقتصاد محدود الموارد، قدرة تمويلية عالية مقابل قيود مالية، سرعة تنفيذ المشاريع الكبرى.
السعودية بنت سردية " مستقبل مُعلن بزمن محدد" والأردن ما يزال يعمل ضمن : سردية " إدارة الواقع بكفاءة".
السعودية بقيادة الملك محمد بن سلمان اطلقت مشروعاً تحولياً واضحا عبر رؤية 2030 وهو التحول من سردية ريعية إلى سردية انتاجية، ومن خطاب الاستقرار إلى خطاب القفزة التنموية والانتاجية، ومن التركيز على الماضي إلى مشروع مستقبلي محدد زمنياً.

الدروس المستفادة للأردن
ربط السردية بإطار زمني واضح (مثلاً اطلاق رؤية أردن منتج ومبدع 2040)،تحويل الخطاب إلى مؤشرات قابلة للقياس، الاستثمار في القوة الرمزية والرقمية،إشراك الشباب في إنتاج المعنى لا استقباله فقط، ومع ذلك، تؤكد الأدبيات المؤسسية المقارن أن نقل النماذج يتطلب مراعاة السياق البنيوي والثقافي.

سادساً: إطار منهجي مقترح للحالة الأردنية
تقترح الورقة نموذجاً من أربع مراحل:
تحليل خط الأساس:
قياس الثقة والانتماء عبر أدوات كمية ونوعية.
تحليل الخطاب:
مراجعة المناهج والإعلام الرسمي ومقارنة الرسائل المؤسسية.
الإنتاج التشاركي:
إشراك الجامعات ومراكز البحث والشباب في صياغة الرؤية.
التقييم الدوري:
اعتماد مؤشرات أداء تشمل:
1.الثقة بالمؤسسات. 2. المشاركة السياسية. 3. مؤشرات الانتماء الشبابي.
مسارات بناء السردية الوطنية الأردنية:
1. مسار التوثيق المعرفي من خلال توحيد جهود الجامعات والمراكز البحثية والعاملين في هذا المجال واعتمادهم كمرجع وطني للتوثيق بكل تفاصيلة.
2. مسار الإعلام: وهنا يجب التركيز على الانتاج بمختلف اشكاله من الكتروني ، مكتوب، مقرؤء، مشاهد، مسموع. والأهم من ذلك امتلاك خطاب اعلامي موحد وموثوق وبناء المنصات والشبكات المعلنة وغير المعلنة.
3. مسار المناهج: اعادة بناء المناهج الأردنية وفق رؤية جديدة مبنية على المسار العلمي التوثيقي، مع ادخال السردية الوطنية الأردنية بشكل مباشر في جميع المقررات الدراسية.
4. مسار الدراما: نحتاج بناء مؤسسة وطنية للانتاج البرامجي المتخصص في الشأن الثقافي/ التاريخي/ السياسي/ الوطني. لإعادة تشكيل العقول من جديد وهنالك تجارب أردنية محدودة كانت عبر عدة مسلسلات وافلام قصيرة مثل : هبوب الريح نزهة على الرمال، وجه الزمان، والمشراف، بينما انتجت السعودية مسلسل العاصوف بجزئيه وخيوط المعازيب ، ورشراش، اما تركيا فأنتجت مسلسل وادي الذئاب، المحارب، العهد، قيامة ارطغرل، عثمان، كوت العمار .
5. مسار إعادة تأهيل معلمي التربية الوطنية في مدارس الحكومة والقطاع الخاص والثقافة العسكرية لاسهامهم المباشر في تشكيل الوعي الوطني وبناء عقول الناشئة.
6. مسار الجامعات: من حيث البحث علمي، انتاج المناهج، تفريغ الطاقات البشرية، مسابقات سنوية لانتاج البحوث، تطوير كتاب السيناريو وانتاج جيل من الكتاب المهتمين بالسردية الوطنية الأردنية.
سابعاً: المخاطر المحتملة
• اختزال السردية في خطاب دعائي.
• التناقض بين الخطاب والممارسة.
• إقصاء التنوع الاجتماعي.
• تجاهل النقد العام المشروع.

ماذا نحتاج ؟ نحو سردية وطنية أردنية معرفية
لمواجهة الانفجار المعرفي والتشكيك الدائم ، لا يكفي الدفاع عن السردية القائمة، بل يجب تطويرها لتصبح:
1. سردية معرفية لا شعاراتية: تعتمد على البيانات، تعترف بالتحديات، تتبنى الشفافية.
2. سردية تشاركية: إشراك الشباب في صياغة الخطاب، إنتاج محتوى رقمي تفاعلي، تعزيز الحوار بدل التلقين.
3. سردية مستقبلية: ربط الهوية الوطنية بمشروع معرفي (بحث علمي، ابتكار، ريادة)،تحويل الأردن إلى قصة نجاح في إدارة شح الموارد بالذكاء، التحول من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها.
خلاصة:
السردية الوطنية الأردنية في عصر الانفجار المعرفي لا يمكن أن تبقى سردية دفاعية أو تاريخية فقط، إنها بحاجة إلى أن تتحول إلى مشروع معرفي جامع يربط: التاريخ + المواطنة + الابتكار + المستقبل.
ففي عالم تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، تصبح الهوية الوطنية القادرة على التكيّف المعرفي أكثر صلابة من تلك التي تنغلق على ذاتها، إن بناء سردية وطنية أردنية حديثة ليس مشروعاً خطابياً، بل عملية مؤسسية مستمرة لإنتاج معنى مشترك يعزز الهوية السياسية ويجدد الشرعية، في عصر تتعدد فيه مصادر المعنى، لتصبح قدرة الدولة على صياغة قصة صادقة، علمية، وتشاركية، شرطاً ضرورياً لاستدامة الاستقرار والتنمية، السردية الوطنية ليست نصاً يُكتب مرة واحدة، بل عملية ديناميكية تتجدد بتجدد المجتمع، ولدينا ما نفخر به من تاريخ ابيض مشرّف وانجاز وطني متميز.