أخبار اليوم - في وسط الطبيعة الخضراء التي تتميز بها محافظة عجلون تقف شجرة "زيتون المهراس" شامخة كشاهد حيّ على عمق التاريخ الزراعي والتراثي للمنطقة ومعلما طبيعيا بات يستقطب الزوار والمهتمين بالسياحة البيئية من مختلف المحافظات.
ويشكل زيتون المهراس في المحافظة ثروة زراعية وتراثية نادرة تحمل بعدا تاريخيا وبيئياً وسياحياً ما يجعله محور اهتمام المختصين والمهتمين الذين يرون فيه فرصة حقيقية لتعزيز السياحة البيئية والتنمية المحلية المستدامة.
وأكد مدير زراعة عجلون المهندس صيتان السرحان أن أشجار المهراس تمثل جزءاً من الذاكرة الزراعية المتوارثة في القرى الجبلية حيث ارتبطت بحياة الناس ومواسمهم الزراعية وظلت شاهداً على أنماط الإنتاج التقليدي التي حافظت على حضورها حتى اليوم، مشيرا الى أن القيمة المعنوية لهذه الأشجار تتجاوز الإنتاج الزراعي لتصل إلى بعدها الاجتماعي إذ ارتبطت بمواسم القطاف الجماعي والعادات الريفية التي تعزز روح التعاون والانتماء للأرض.
وأضاف أن الاهتمام بزيتون المهراس يمكن أن يفتح المجال أمام مبادرات مجتمعية توثق الحكايات الشعبية المرتبطة به وتعيد إحياء الموروث الزراعي بوصفه عنصراً من عناصر الهوية الثقافية في محافظة عجلون.
وبين مدير ثقافة عجلون سامر فريحات ان المهراس تعد توثيقا مهما لذاكرة المكان والإنسان نظرا لكونها عنصرا راسخا في التراث الشعبي والاحتفالات والمواسم الزراعية في عجلون مشيرا الى أهمية تعزيز مكانتها التاريخية والتراثية وقيمتها بما يتلاءم مع خصوصية عجلون كوجهة سياحية.
من جانبه، قال مدير عام المركز الوطني للبحوث الزراعية سابقا الدكتور نزار حداد إن قصص النجاح التي شكلها زيتون المهراس ستعزز الزراعة السياحية في الأردن حيث ان التحاليل الجينية تؤكد مركزية نشوء الزيتون في الأردن عبر العصور، مبينا ان المهراس في منطقة الميسر في بلدة الهاشمية يُعتبر من أقدم السلالات الجينية للزيتون في مناطق حوض البحر المتوسط حيث بيّنت تحاليل الخريطة الجينية للمهراس أنها الأقرب جينيا لتكون الأصل لزيتون كل من إسبانيا وإيطاليا وقبرص والواقعة مع المهراس ضمن ذات المجموعة الوراثية بحسب مُخرجات الدراسة.
واضاف حداد أن المهراس يعتبر أصلا عريقا حافظ على كيانه عبر العصور حيث أثبتت البصمة الوراثية له التنوع الوراثي الغني والفريد بين الطرز الوراثية للزيتون في حوض المتوسط مع ميّزات جينية ذات دلالات هامة لقدرات المهراس على التكيّف مع التغيرات المناخية والبيئات القاسية والحفاظ على نوعية زيت مميزة.
من جهتها، أشارت مدير اثار عجلون بالوكالة نوال الشواشرة أن إدراج شجرة زيتون المهراس على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو شكل إنجازا وطنيا يعزز مكانة المحافظة كموطن للسلالات الأصلية من الزيتون ويبرز قيمة هذا الإرث الطبيعي والثقافي المتجذر في تاريخ المنطقة، مؤكدة اهمية ادراج المهراس ضمن المسارات السياحية والبيئية التي تعزز الحركة السياحية والتنموية في المحافظة.
بدوره، بين الخبير الزراعي المهندس رامي العدوان أن انتشار أشجار الزيتون المعمرة وخصوصا سلالات المهراس الرومي في منطقة الهاشمية يعكس عمق التاريخ الزراعي للمنطقة وارتباط الإنسان بزراعة الزيتون عبر قرون طويلة، مشيرا الى ان هذه الأشجار أصبحت اليوم نقطة اهتمام للزوار والباحثين لما تحمله من رمزية تاريخية إضافة إلى حضورها في المسارات التراثية التي تعرف بتاريخ الزراعة التقليدية وأساليب العناية القديمة بالأشجار.
وبين أن إنتاج هذه الأشجار ما يزال مستمراً بكميات ملحوظة سنوياً الأمر الذي يمنحها بعداً اقتصادياً إلى جانب قيمتها التراثية ويؤكد قدرتها على الاستمرار رغم تغير الظروف البيئية.
وقال الباحث في التراث علي السالم إن زيتون المهراس يمثل رمزاً واضحاً لأسلوب الحياة الريفية القديمة حيث كانت الشجرة محوراً للأنشطة الاجتماعية والاقتصادية ومصدراً رئيسياً للغذاء والدخل للأسر، مبينا ان ارتباط الزيتون بالأدوات التقليدية والطقوس الشعبية يعكس منظومة ثقافية متكاملة من طرق العصر القديمة إلى الأغاني والموروثات المرتبطة بموسم القطاف.
بدورها، أكدت نائب رئيس جمعية البيئة ربيعة المومني أن الاهتمام بأشجار المهراس يشكل خطوة مهمة للحفاظ على التراث الزراعي وزيادة الإنتاجية في الوقت نفسه باعتبارها مورداً طبيعياً يمكن استثماره بطريقة مستدامة، داعية الى ضرورة تأسيس جمعية متخصصة تعنى بحماية ورعاية أشجار المهراس لما تمثله من قيمة بيئية وتراثية وطنية.
ودعت نائب رئيس جمعية نسمة شوق السياحية المهندسة ابتهال الصمادي إلى تبني سياسات بيئية وسياحية متكاملة تعنى بزيتون المهراس بوصفه موردا تراثيا يمكن إدماجه ضمن مسارات السياحة البيئية والثقافية المستدامة، مشيرة الى ان تطوير المسارات التفسيرية ولوحات التعريف والبنية التحتية الصديقة للبيئة يضمن حماية الموقع ويزيد من وعي الزوار بقيمته التاريخية والطبيعية.
من جانبه، قال التربوي الدكتور وليد الصمادي إن زيتون المهراس يمثل نموذجا فريدا لقدرة الطبيعة على حفظ السلالات النباتية عبر قرون طويلة ما يمنحه قيمة علمية وثقافية في آن واحد، مبينا أن التحاليل الكيميائية لزيت المهراس بينت ارتفاع نسبة حمض الأولييك والمركبات الفينولية الأمر الذي يمنحه جودة غذائية عالية وقابلية أكبر لمقاومة الأكسدة والتلف.
وأشار الباحث في الزراعات المعمرة المهندس يحيى ابو صيني إلى أن أعمار أشجار المهراس في الأردن تتراوح بين 800 و3500 عام ما يجعلها شاهدا حيا على تاريخ المنطقة وحضاراتها المتعاقبة وأن الدراسات أظهرت قدرة هذه الأشجار على تحمل الإجهاد المائي والاستمرار بالإنتاج حتى في ظروف الهطول المحدود ما يعكس تكيفا بيئيا استثنائياً.
وبين ان الدراسات أثبتت ارتفاع نسبة الزيت في ثمار زيتون المهراس والتي تصل إلى 30 بالمئة وهي من أعلى النسب لأصناف الزيتون في العالم كما يتميز الزيت بتركيب مميز للأحماض الدهنية مع ارتفاع نسبة حمض الأولييك والتي تبلغ 70 بالمئة وتضاه.
ي الأصناف العالمية، إضافة إلى الخصائص الحسية والنكهة الفاكهية المميزة لزيت المهراس تحديداً.
من جهته، أشار الناشط الاجتماعي والثقافي محمد علي القضاة إلى أن زيتون المهراس يشكل قصة إنسانية قبل أن يكون محصولاً زراعياً إذ يروي تاريخ الاستقرار البشري والعمل الزراعي المشترك في القرى الجبلية، مبينا أن الشجرة ترتبط بطقوس ومواسم وموروثات اجتماعية توارثت عبر الزمن وأن تسجيلها دوليا يسهم في تعزيز السياحة التراثية ويبرز الدور التاريخي والزراعي للمنطقة.
وبين مصوّر الطبيعة محمد الزعارير أن شجرة "زيتون المهراس" تعد من أبرز المعالم الطبيعية في محافظة عجلون لما تحمله من قيمة جمالية وتاريخية تجعلها مقصداً لعشّاق التصوير والطبيعة على حد سواء، مشيرا الى أن الموقع يتميز بمشهد بصري فريد لا سيما في فصلي الربيع والخريف حيث تتناغم خضرة الأشجار مع تضاريس المنطقة الجبلية ما يمنح الزائر تجربة بصرية وروحية مميزة.
واوضح الزعارير أن مثل هذه المواقع تحتاج إلى مزيد من الترويج الإعلامي والتنظيم السياحي لتكون ضمن المسارات المعتمدة للسياحة البيئية في عجلون، بما يسهم في دعم المجتمع المحلي وتعزيز ثقافة الحفاظ على الطبيعة.
(بترا)