أخبار اليوم - في كثير من المجتمعات، ما زال كتمان المشاعر يُنظر إليه بوصفه دليلاً على القوة والاتزان، فيما يُصوَّر الإفصاح عن الحزن أو الخوف أو الانكسار على أنه ضعف لا يليق بالإنسان “القوي”. وبين هذا التصور الاجتماعي وواقع النفس البشرية، يقف كثيرون وهم يحملون داخلهم ما لا يُقال، مبتسمين في الخارج، مثقلين في الداخل.
وفي الشارع الأردني، كما في مجتمعات عربية كثيرة، تربّى أجيال على عبارات مثل “تحمّل”، “لا تشتكِ”، “الرجل لا يبكي”، و”خلي همك بقلبك”. هذه العبارات، رغم أنها تُقال أحياناً بدافع التشجيع، صنعت ثقافة كاملة تميل إلى الصمت أكثر من البوح، وإلى إخفاء الألم أكثر من مواجهته.
ويقول مواطنون إنهم اعتادوا كتمان مشاعرهم لأن الظروف لا تسمح بالانهيار، فرب الأسرة الذي يواجه التزامات يومية لا يجد مساحة ليعبّر عن خوفه من المستقبل، والشاب الذي يبحث عن عمل يفضّل الصمت على شرح ما يشعر به، فيما ترى بعض النساء أن الإفصاح عن التعب النفسي قد يُفهم على أنه تقصير أو مبالغة.
لكن مختصين اجتماعيين يرون أن ضبط المشاعر يختلف تماماً عن كبتها. فالاتزان يعني فهم المشاعر والتعامل معها في الوقت المناسب، أما الكتمان المستمر فقد يتحول إلى ضغط داخلي ينعكس توتراً وعصبية وانسحاباً من العلاقات، وربما على هيئة تعب نفسي لا يعرف صاحبه سببه الحقيقي.
ويشير مراقبون إلى أن كثيراً من الخلافات العائلية لا تبدأ من مشكلة كبيرة، بل من تراكم مشاعر صغيرة لم تُناقش في وقتها. كلمة أزعجت أحدهم فسكت، موقف جرح آخر فتجاهله، إحباط تأجل الحديث عنه، ثم ينفجر كل ذلك لاحقاً في لحظة غير متوقعة.
في المقابل، يرى آخرون أن ليس كل شعور يجب أن يُقال، وأن الإنسان الناضج هو من يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، فالإفراط في الشكوى أو التعبير قد يرهق العلاقات ويجعل الشخص أسيراً لتقلباته. ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن بعض الصمت حكمة، وبعض التجاوز راحة.
غير أن الفارق، بحسب مختصين، يكمن في أن الصمت الصحي يكون اختياراً واعياً، بينما الكتمان المؤذي يكون هروباً أو خوفاً أو شعوراً بعدم الأمان. فمن يختار الصمت وهو قادر على الكلام يختلف عمن يصمت لأنه لا يجد من يسمعه.
ومع تسارع الحياة وضغوط المعيشة، يبدو أن كثيرين أصبحوا يخفون مشاعرهم أكثر من السابق. فالناس منشغلون، والوقت أقل، والاستماع الحقيقي نادر، ما يدفع البعض إلى حمل أوجاعهم وحدهم، والظهور أمام الآخرين بصورة “الشخص المتماسك” مهما كان داخله مرتبكاً.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل كتمان المشاعر علامة قوة فعلية، أم مجرد قناع يلبسه الإنسان حتى لا ينكشف ضعفه؟ وبين هذا وذاك، قد تكون القوة الحقيقية أحياناً في الاعتراف بما نشعر به، لا في إنكاره.