"جوزه يعقل" .. عبارة هدمت بيوت كثيرة وأنهت زيجات قبل أن تبدأ

mainThumb
"جوزه يعقل".. عبارة هدمت بيوت كثيرة وأنهت زيجات قبل أن تبدأ

29-04-2026 02:47 PM

printIcon

أخبار اليوم – عواد الفالح

في المجتمع الأردني، ما زالت عبارة “جوزه يعقل” تتردد كثيراً عند الحديث عن شاب غير مستقر في حياته أو غير قادر على تحمل المسؤولية، وكأن الزواج أصبح عند بعض الأسر وسيلة لإصلاح الابن، لا مشروع حياة يقوم على النضج والوعي وتحمل المسؤولية. هذه الجملة التي تبدو عابرة في المجالس العائلية، كانت في كثير من الحالات بداية حقيقية لبيوت انهارت سريعاً، وزيجات انتهت بالطلاق، وأطفال وجدوا أنفسهم ضحية قرار لم يكن مدروساً من البداية.

الاعتقاد السائد لدى بعض العائلات أن الشاب حين يتزوج سيصبح أكثر التزاماً، وأن البيت سيصنع منه رجلاً مختلفاً، وأن الزوجة ستكون سبباً في تغيير سلوكه وضبط حياته. هذا التفكير يتكرر كثيراً، خاصة عندما يكون الابن مهملاً أو غير جاد أو عاجزاً عن تحمل مسؤولية نفسه، فتبدأ الأسرة بالبحث عن زوجة له على أمل أن الزواج سيصلح ما عجزت الأسرة عن إصلاحه خلال سنوات طويلة.

لكن الواقع الاجتماعي يكشف صورة مختلفة تماماً، فالزواج لا يصنع النضج، ولا يمنح الإنسان المسؤولية بشكل تلقائي، ولا يحول الشاب غير الجاهز إلى زوج قادر على بناء بيت مستقر. النتيجة في كثير من الأحيان تكون زوجة تدخل الحياة الزوجية وهي تحمل أحلام الاستقرار، ثم تجد نفسها أمام شخص يحتاج إلى من يربيه من جديد، فتتحول العلاقة من شراكة إلى عبء يومي، ومن بيت منتظر إلى ساحة خلافات مستمرة.

كثير من المواطنين يرون أن المشكلة تبدأ منذ اللحظة الأولى التي تقرر فيها الأسرة إخفاء حقيقة ابنها عن أهل الفتاة، حين يعرف الجميع داخل البيت أن الشاب غير مؤهل للزواج، سواء من ناحية النضج أو المسؤولية أو الاستقرار النفسي، ثم يتم تقديمه بصورة مثالية أمام الطرف الآخر. هنا لا تكون المشكلة في الزواج فقط، بل في غياب الصراحة والصدق، لأن الفتاة تدخل هذه العلاقة على أساس صورة غير حقيقية.

أحد المواطنين يقول إن الأب الذي يكون صريحاً مع الناس بشأن وضع ابنه يحفظ كرامة الجميع أكثر من الأب الذي يورط بنات الناس ثم يختفي خلف الأعذار. ويؤكد أن الزواج ليس تجربة مؤقتة يمكن إصلاحها بسهولة، بل حياة كاملة قد تُبنى أو تُهدم بسبب قرار واحد خاطئ، ولهذا فإن الصراحة هنا واجب أخلاقي قبل أن تكون مجرد خيار شخصي.

وفي المقابل، ترى كثير من السيدات أن العبء الأكبر يقع غالباً على الزوجة، لأنها تدخل العلاقة وهي مطالبة بالصبر والتحمل والإصلاح، وكأن المجتمع يمنح الرجل فرصة مفتوحة للخطأ، ثم يحمّل المرأة مسؤولية إنقاذ البيت وحدها. بعض الفتيات يدخلن الزواج تحت ضغط الأهل أو الخوف من تأخر الزواج أو تحت وعود متكررة بأن الأمور ستتغير بعد الزواج، ثم يكتشفن بعد فترة قصيرة أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد مرحلة مؤقتة.

سيدة متزوجة تقول إن أخطر ما في هذه الفكرة أن الزوجة تتحول إلى مشروع إصلاح كامل، فهي مطالبة بأن تكون زوجة وأماً ومصلحة اجتماعية وطبيبة نفسية في وقت واحد، بينما أصل المشكلة موجود منذ البداية ولم يتم التعامل معه بجدية. وتضيف أن كثيراً من حالات الطلاق الحالية بدأت من تجاهل واضح لكل إشارات الفشل المبكر، فقط لأن الجميع كان يردد العبارة نفسها: “جوزه يعقل”.

مختصون في الشأن الاجتماعي يؤكدون أن ارتفاع نسب الطلاق اليوم لا يرتبط فقط بالوضع الاقتصادي أو الضغوط المعيشية، وإنما أيضاً بضعف الاستعداد الحقيقي للزواج، وغياب الفهم العميق لمعنى المسؤولية، وسيطرة المظاهر والشكليات على قرارات مصيرية تحتاج إلى وعي أكبر بكثير. فبعض الزيجات تبدأ من القاعة والفستان والتصوير والديون، قبل أن تبدأ من سؤال بسيط ومهم: هل هذا الشخص جاهز فعلاً لبناء بيت؟

وفي العقود الماضية، كانت الإمكانات المادية أقل بكثير، وكانت الحياة أكثر صعوبة من ناحية الظروف اليومية، لكن كثيراً من الزيجات كانت أكثر استقراراً، لأن مفهوم الزواج نفسه كان قائماً على الشراكة وتحمل المسؤولية والصبر، لا على الصورة الخارجية أو المكانة الاجتماعية أو المظاهر التي أصبحت اليوم تتحكم في كثير من القرارات.

اليوم تغيرت الأولويات عند بعض الناس، فأصبح السؤال عن السيارة والراتب والمكانة الاجتماعية يسبق أحياناً السؤال عن الأخلاق والنضج والقدرة على تحمل مسؤولية بيت كامل. كما أن بعض الأسر تتعامل مع الزواج كحل سريع لمشكلة داخل البيت، لا كقرار مصيري يحتاج إلى استعداد نفسي واجتماعي حقيقي.

والنتيجة معروفة في كثير من الحالات: طلاق مبكر، نزاعات طويلة داخل المحاكم، أطفال مشتتون بين الخلافات، وأسر تبحث عن تفسير بعد أن يكون الوقت قد تأخر كثيراً. كل ذلك لأن البداية قامت على فكرة خاطئة، وهي أن الزواج سيعالج شخصاً لم يتعلم أصلاً معنى الالتزام.

الزواج لا يصلح إنساناً غير مستعد، ولا يعالج غياب المسؤولية، ولا يصنع النضج بالقوة. بنت الناس ليست تجربة، والزوجة ليست وسيلة لتربية رجل لم تُربّه أسرته على تحمل المسؤولية منذ البداية.

ولهذا، فإن عبارة “جوزه يعقل” لم تعد مجرد جملة عابرة في الحديث اليومي، بل أصبحت عند كثيرين عنواناً لبدايات خاطئة ونهايات موجعة، لأن البيت لا يُبنى بالأمل وحده، وإنما بالصدق، والنضج، والقدرة الحقيقية على فهم معنى الزواج قبل الدخول إليه.