صالح الشرّاب العبّادي
ليست الضجة التي أُثيرت حول تصريح سميح المعايطة سوى انعكاس لخلل أعمق في الوعي السياسي العربي، خلل يجعل من كل محاولة لتعريف الأشياء بأسمائها مشروع فتنة، ومن كل تثبيت للهوية تهمة جاهزة بالانقسام.
حين قيل إن “الأردن هو الأردن وفلسطين هي فلسطين”، لم تكن الجملة إعلان قطيعة، بل كانت محاولة متأخرة لتثبيت حقيقة جرى التلاعب بها طويلًا: أن الخطر الحقيقي على فلسطين لم يكن يومًا في الاعتراف بخصوصيتها، بل في محاولات تذويبها وتحويلها إلى قضية بلا جغرافيا.
المشكلة أن جزءًا من الخطاب العربي ما زال أسير ثنائية مضلِّلة: إما وحدة عاطفية تُلغي الفوارق السياسية، أو فصل يُفسَّر مباشرة كعداء. وبين هذين الحدّين، ضاعت الحقيقة الأكثر وضوحًا: أن الحفاظ على الهوية ليس نقيضًا للوحدة، بل شرطًا لها.
الأردن، بحكم موقعه وتاريخه، لم يكن يومًا دولة عابرة في سياق القضية الفلسطينية، بل كان خط تماس سياسي وديمغرافي معها. قوته لم تأتِ من ذوبانه في فلسطين، بل من قدرته على أن يكون دولة قائمة بذاتها، تمتلك قرارها، وتستطيع أن تدعم فلسطين من موقع السيادة لا من موقع البديل.
أما فلسطين، فهي لم تكن يومًا بحاجة إلى من “يحتضنها” بقدر حاجتها إلى من يمنع تحويلها إلى فكرة مجردة. أخطر ما واجهته القضية الفلسطينية لم يكن فقط الاحتلال، بل محاولات إعادة تعريفها: من أرض وشعب، إلى ملف إنساني، ثم إلى عبء ديمغرافي يبحث له البعض عن مكان آخر.
وهنا تحديدًا يكمن جوهر المعركة:
ليس في الجغرافيا وحدها، بل في التعريف.
عندما تُمحى الحدود السياسية بين الهويات تحت شعارات عاطفية غير منضبطة، فإن النتيجة لا تكون وحدة، بل ضبابية تُستثمر سياسيًا. فالشعب الذي لا يُعرَّف بدقة، يسهل التنازل عن حقه، والقضية التي تفقد إطارها الوطني، تصبح قابلة لإعادة التوطين وإعادة التوزيع.
لهذا، فإن القول بأن “الأردن هو الأردن وفلسطين هي فلسطين” ليس ترفًا لغويًا، بل موقف سياسي مضاد لمشاريع خطيرة، في مقدمتها فكرة “الوطن البديل” التي لم تغب يومًا عن حسابات الإقليم ، وحسابات من يغتصب فلسطين ، ويدق بنفسه اسفين الفرقة والتشرذم والانقسام ، ليردد وراءه الكثيرين الذين غابت عنهم البصيرة ..
إن الدفاع الحقيقي عن فلسطين لا يكون بإلغاء الفوارق، بل بمنع استغلالها. ولا يكون بدمج الهويات، بل بحمايتها من الذوبان القسري الذي يخدم، في النهاية، من يريد لهذه القضية أن تنتهي دون أن تُحل.
لقد تعلّمنا، بعد عقود من الشعارات، أن الوحدة التي لا تستند إلى واقع سياسي واضح، تتحول إلى عبء، وأن العاطفة التي لا يحكمها تعريف دقيق، قد تُستخدم ضد أصحابها.
الأردن ليس بديلاً عن فلسطين، ولن يكون.
وفلسطين ليست ذكرى، بل حق قائم لا يسقط بالتقادم ولا يُعاد تعريفه وفق رغبات الآخرين.
ومن لا يرى الفرق بين تثبيت الهوية وتصفيتها، فالمشكلة ليست في العبارة… بل في البصيرة.