نور جمال السعايدة
من الفيضانات الموسمية إلى الفرص الاستراتيجية
تؤكد السياسات والمبادئ والأدبيات الاساسية العالمية التي تقودها المنظمة الأممية للحد من مخاطر الكوارث UNDRR أن الكوارث ليست فقط نتيجة للظواهر الطبيعية، بل هي انعكاس مباشر لجودة القرارات التي نتخذها في التخطيط وإدارة الموارد.
من خلال عملي في مجال الحد من مخاطر الكوارث في الأردن والمنطقة العربية، أرى بشكل متكرر كيف تتحول نفس التحديات إلى فرص حقيقية عندما تُدار بقرارات مدروسة ويظهر هذا الترابط بوضوح كل موسم شتوي. فمشاهد تجمع المياه والفيضانات في بعض مناطق محافظة عمّان، مثل الأنفاق والشوارع المنخفضة، أو في أجزاء من محافظات الكرك والزرقاء والبلقاء وغيرها، لم تعد أحداثًا استثنائية، بل أصبحت نمطًا متكررًا. هذه الحالات لا تعكس فقط شدة الهطول المطري، بل تكشف عن تحديات في التخطيط الحضري، والاستثمار في البنية التحتية لتصريف المياه، وإدارة الجريان السطحي.
لكن المشهد لا يقتصر على التحديات فقط. فالأردن، في الوقت ذاته، يحقق تقدمًا ملموسًا في مجالات استراتيجية تعزز من قدرته على الصمود ومواجهة الكوارث والتقليل من أثارها على المستوى الوطني والمحلي، مثل الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتوسيع استخدام تقنيات الري الحديثة، وتبني الزراعة الذكية مناخيًا. هذه الجهود تتماشى بشكل مباشر مع أهداف التنمية المستدامة، خاصة تلك المتعلقة بالمياه النظيفة و المدن والمجتمعات المستدامة والعمل المناخي. وهذا التقدم يعكس أن الأردن يسير في الاتجاه الصحيح، لكن الواقع الميداني يشير إلى فرصة مهمة لتعزيز التكامل بين هذه الجهود.
أحد أبرز الدروس المستفادة من الفيضانات المتكررة هو أن مياه الأمطار والتي تسبب أضرارًا في المدن، يمكن أن تتحول إلى مورد استراتيجي. فالاستثمار في حصاد مياه الأمطار، مثل إنشاء آبار تغذية المياه الجوفية، وخزانات تجميع، وأنظمة إدارة الجريان السطحي، يمكن أن يحقق معادلة مزدوجة وهي تقليل مخاطر الفيضانات والخسائر من جهة وتعزيز الأمن المائي والغذائي في واحدة من أكثر دول العالم شحًا بالمياه من جهة أخرى.
وهذا يتماشى بشكل مباشر مع أولويات اطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث Sendai Framework for Disaster Risk Reduction، خاصة في فهم المخاطر من خلال تحليل أسباب الفيضانات المتكررة و الاستثمار في الحد من المخاطر في البنية التحتية وحصاد المياه وتعزيز الجاهزية والاستجابة الفعالة. برأيي، الاستثمار في حصاد مياه الأمطار لم يعد خياراً تقنياً، بل ضرورة استراتيجية للأمن المائي والغذائي في الأردن على المستويين الوطني والمجتمعي.
ما ألاحظه ميدانياً أن المشكلة ليست في غياب الحلول، بل في سرعة تبنيها وتكاملها بين القطاعات المختلفة. فالمرحلة القادمة تتطلب تخطيط حضري قائم على تقييم المخاطر، خصوصاً في المناطق المعرضة للفيضانات وتحديث وتوسيع شبكات تصريف مياه الأمطار وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر وربطها بسلوك المجتمع و الاستثمار في حلول قائمة على الطبيعة (Nature-based Solutions) وإشراك المجتمعات المحلية كشركاء في الوقاية، وليس فقط كمستفيدين.
شخصياً، هذا السؤال كان يتكرر معي بشكل مباشر في العديد من المحاضرات والنقاشات في ورشات العمل مع الجهات الوطنية والمجتمعات المحلية في الاردن والمنطقة العربية، وهو: ماذا نفعل بعد التحذير؟ وهذا بحد ذاته مؤشر على أهمية ربط الأنظمة التقنية بسلوك المجتمع.
فمن خلال الملاحظات الميدانية وتتبعي لردود أفعال الناس على منصات التواصل المجتمعي وغيرها، يتضح أن الفجوة الأساسية ليست في غياب أنظمة الإنذار المبكر، بل في الربط بينها وبين سلوك المجتمع. فكثيراً ما يتم إصدار التحذيرات، لكن يبقى السؤال الأهم: هل يعرف الناس فعلاً كيف يتصرفون بعدها؟ هذا التحدي يتطلب الانتقال من مجرد “إيصال المعلومة” إلى “تغيير السلوك”، من خلال التوعية المستمرة، والتدريب، وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمجتمع.
تجربة الأردن اليوم ليست مثالية، لكنها واقعية ومتقدمة في آنٍ واحد. هي تجربة لدولة تواجه تحديات مناخية وموارد محدودة، لكنها في المقابل تبني تدريجيًا نموذجًا أكثر مرونة واستباقية.
الفكرة هنا ليست تسليط الضوء على المشكلة، بل على الإمكانية والفرصة الحقيقية فكل فيضان هو إنذار… لكنه أيضًا فرصة لإعادة التفكير، وتحسين القرار، وبناء نظام أكثر كفاءة. وفي النهاية، المخاطر لا تُدار فقط عند وقوعها، بل تُصنع أو تُخفّف من خلال القرارات التي نتخذها كل يوم..