العبادي يكتب: مضيق هرمز .. ومعبر الخرفان

mainThumb
العبادي يكتب: مضيق هرمز.. ومعبر الخرفان

09-05-2026 12:10 PM

printIcon

بينما كان العالم يراقب بقلق تداعيات إغلاق مضيق هرمز، ويتحدث عن اضطراب التجارة الدولية وارتفاع أسعار النفط واحتمالات الانفجار الإقليمي، كان الأردنيون منشغلين بقضية أخرى أكثر قربًا إلى وجعهم اليومي:
“معبر الخرفان”.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف.

العالم يراقب مآلات اغلاق شريان الطاقة العالمي، والمواطن هنا يخاف على ما تبقى من الثقة بالمؤسسات.
هناك يتحدثون عن أمن الملاحة الدولية، وهنا يسأل الناس: كيف تعبر الصفقات والأموال والمسارات المالية البديلة بهذه السهولة؟ ومن يراقب؟ ومن يحاسب؟ ولماذا لا تظهر الحقيقة كاملة إلا بعد أن تصبح القضية حديث الشارع؟

قد يبدو الربط بين مضيق هرمز ومعبر الخرفان ساخرًا، لكنه في الحقيقة يكشف أزمة أعمق بكثير من مجرد قضية أغنام او خرفان أو ممر او معبر استيراد وتصدير.

مضيق هرمز يهدد اقتصاد العالم بالانهيار ، أما “معبر الخرفان” فيهدد ثقة المواطن ، حين يشعر أن الرقابة رخوة، وأن الإدارة تتحرك متأخرة، وأن بعض الملفات لا تُفتح إلا بعد أن تتحول إلى فضيحة عامة.

المواطن لم يتفاعل مع القضية لأنها تتعلق بالخرفان ، بل لأنه رأى فيها صورة مكثفة عن اختلال أكبر:
شعور متراكم بأن هناك من يستطيع الالتفاف على الأنظمة، والعبور من الثغرات، وتحقيق المكاسب بعيدًا عن الوضوح والمحاسبة، بينما المواطن العادي يواجه القوانين والضرائب والرقابة في كل تفصيل من حياته.

لهذا كان الضجيج حول “معبر الخرفان” أعلى من النقاش حول مضيق هرمز.

لأن المواطن لم يعد يثق كثيرًا بالتحليلات الكبرى بقدر ما يهتم بما يراه أمامه من خلل يومي يمس معيشته وإحساسه بالعدالة.
فالحروب البعيدة قد تؤثر على أسعار النفط، لكن ضعف الإدارة والرقابة يضرب ثقة الناس مباشرة في الداخل، وهذه أخطر أزمة يمكن أن تواجه أي دولة.

المشكلة الحقيقية ليست في مرور الأغنام ، بل في مرور الأخطاء دون محاسبة، وفي اعتياد بعض المسؤولين على إدارة الأزمات بمنطق امتصاص الغضب لا بمنطق كشف الحقيقة كاملة للرأي العام.

المؤسسات القوية لا تخشى الأسئلة، ولا تنتظر انفجار القضايا حتى تتحرك، ولا تسمح بأن تتحول إداراتها إلى مادة للسخرية الشعبية كل أسبوع.

أما حين تصبح “الخرفان” قضية رأي عام تتفوق على أخطر ممر بحري في العالم، فذلك لا يقول شيئًا عن الناس فقط… بل يقول الكثير عن حجم الفجوة التي اتسعت بين المواطن والمؤسسة .

هناك في مضيق هرمز، تقف دول العالم على رؤوس أصابعها، وتُستنفَر الحكومات والأساطيل وغرف الاقتصاد والطاقة بحثًا عن ممرات بديلة وخطط طوارئ تمنع انهيار التجارة العالمية بسبب اغلاق المضيق .
أما هنا، فتنام بعض العيون الرقابية مطمئنة، حتى تستيقظ على خبر أن “معبر الخرفان” غيّر مساره ووجد طرقًا بديلة للعبور ، على مرأى ومسمع من الجهات التي يفترض أنها تراقب وتحاسب وتمنع المشكلة قبل أن تقع ، لا أن تكتفي بإحصاء الخسائر بعد عبور القافلة.

وحين تصل الشعوب إلى مرحلة تفقد فيها ثقتها بالتوضيح الرسمي، فإن أي “معبر خرفان” صغير يصبح أخطر على الداخل من أي مضيق دولي مشتعِل في الخارج.

صالح الشرّاب العبّادي