أخبار اليوم – سهم محمد العبادي - منذ إعلان شركة البوتاس العربية عن هذا المشروع، وأنا أقرأ تفاصيله بعين مختلفة. فالموضوع يتجاوز محطة طاقة شمسية عائمة بقدرة 6 ميجاواط، ويدخل في إطار أوسع يتعلق بطريقة تفكير جديدة داخل القطاع الصناعي؛ كيف تتحول الموارد القائمة إلى أدوات إنتاج أكثر كفاءة ومرونة؟
الفكرة الأساسية هنا ليست الطاقة فقط، وإنما الكفاءة. واستخدام المسطحات المائية القائمة لتوليد الطاقة وتقليل التبخر في الوقت ذاته يعكس انتقالاً من نموذج “الاستهلاك” إلى نموذج “الإدارة الذكية للموارد”. وهذا تحول مهم في بيئة مثل الأردن، حيث الماء والطاقة عنصران أساسيان في أي معادلة إنتاج.
السؤال الأهم: لماذا الآن؟ والإجابة ترتبط بثلاثة عوامل متداخلة، ارتفاع كلف الطاقة، الضغط البيئي، والمنافسة العالمية. والشركات التي لا تخفف كلفها التشغيلية وتقلل بصمتها البيئية ستجد نفسها خارج السوق تدريجياً.
ومن هذا السياق، فإن المشروع يقدم ميزة مزدوجة، من جهة، يخفض كلفة الطاقة على المدى المتوسط، ومن جهة أخرى يحسّن إدارة المياه عبر تقليل التبخر. وهذه المعادلة تمنح الشركة مرونة أكبر في مواجهة تقلبات الأسعار والظروف المناخية.
لكن، هل يكفي هذا المشروع وحده؟ الإجابة المختصرةبكل بساطة لا. حيث أن قدرة 6 ميجاواط تظل محدودة مقارنة بحجم استهلاك شركة صناعية عظمى بحجم “البوتاس”. فالقيمة الحقيقية ليست في الحجم الحالي، وإنما في كونه نموذجاً قابلاً للتوسّع. وإذا تحوّل إلى جزء من منظومة أوسع، عندها يمكن الحديث عن تحول فعلي في مزيج الطاقة.
المتابع لتصريحات رئيس مجلس الإدارة المهندس شحادة أبو هديب يجد أنها تعكس قراءة استراتيجية واضحة؛ الحديث عن “تعزيز كفاءة استخدام الموارد” و“ترسيخ الاستدامة” يشير إلى أن الشركة لا تتعامل مع المشروع كحل تقني مؤقت، وإنما كجزء من توجه طويل الأمد لإعادة هيكلة طريقة التشغيل. وفي هذا الخطاب نجد أنه ينسجم مع توجهات اقتصادية أوسع تدفع الشركات الصناعية لتبني نماذج إنتاج أكثر مرونة وأقل كلفة.
في المقابل، فإن حديث الرئيس التنفيذي الدكتور معن النسور يركّز على الجانب التشغيلي؛ كفاءة الطاقة، استدامة الموارد، واستمرارية الإنتاج. وهذا يعكس زاوية مختلفة داخل نفس المشروع، من جهة مجلس الإدارة هناك رؤية، ومن جهة الإدارة التنفيذية هناك تطبيق عملي لهذه الرؤية على أرض الواقع، وهنا نجد التكاملية في أبهى صورها.
وعليه فإن هذا التكامل بين الخطاب الاستراتيجي والتنفيذي مهم، لأنه يحدد ما إذا كان المشروع مجرد إعلان، أو خطوة قابلة للترجمة إلى نتائج فعلية على المدى المتوسط والطويل.
وهناك أيضاً بُعد استراتيجي أعمق. واعتماد تقنيات مثل الطاقة العائمة يعني أن الشركات لا تنتظر حلولاً حكومية، وانما تبادر لتأمين احتياجاتها بنفسها. وهذا يعكس تحولاً في العلاقة بين القطاع الخاص والطاقة، من “مستهلك” إلى “منتج جزئي”.
في المقابل، يبقى التحدي في الكلفة الأولية والاستمرارية. مثل هذه المشاريع تحتاج إلى استثمار مرتفع في البداية، وقدرتها على تحقيق عائد تعتمد على استقرار السياسات وتكلفة البدائل التقليدية.
النتيجة الأهم ليست محطة شمسية بحد ذاتها، وإنما اتجاه جديد. واتجاه يقول إن الصناعة في الأردن بدأت تتحرك نحو نموذج يعتمد على الكفاءة، تنويع مصادر الطاقة، واستغلال الموارد المتاحة بأقصى قدر ممكن.
والسؤال الذي يفرض نفسه، هل تتحول هذه الخطوة إلى معيار جديد في القطاع الصناعي، أم تبقى تجربة متقدمة في شركة واحدة؟
وفي نهاية المطاف، يتبين للمتابع أن شركة البوتاس العربية تستبق الزمن بحلول عبقرية تجعلها تفرض وجودها بكل ثقة على الساحة الدولية، ولذلك تصنف من أوائل الشركات العالمية حالياً.