الاستقلال والعدالة .. مسيرة الدولة الهاشمية

mainThumb
الاستقلال والعدالة.. مسيرة الدولة الهاشمية

24-05-2026 02:08 PM

printIcon

سماحة قاضي القضاة الشيخ عبد الحافظ نهار الربطه

يعود عيد الاستقلال في كل عام ليؤكد أن بناء الدول يستند إلى قدرتها على ترسيخ العدالة، وصون كرامة الإنسان، وبناء مؤسسات تحمي المجتمع وتعزز استقراره مهما تغيرت وتنوعت التحديات يبقى ثابتًا بالتجربة والعيان. فلا تستمر الدول إلا بسيادة القانون، وثقة الناس بمؤسساتهم، وإيمانهم بأن العدالة ليست وظيفة للدولة وإنما هي أحد أسباب بقائها واستمرارها.
ومنذ تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 بقيادة الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين، طيب الله ثراه، تشكل المشروع الأردني على قاعدة حفظ الكرامة والاعتدال والحكمة وبناء المؤسسات في منطقة امتازت بالتحولات والصراعات، إلا أن ثبات النهج الهاشمي وقدرته على صون وحدة المجتمع واستيعاب المتغيرات أسهم في ترسيخ نموذج وطني متماسك، حافظ على استقراره وهويته رغم ما شهدته المنطقة من اضطرابات وتحديات متعاقبة. وفي الخامس والعشرين من أيار عام 1946، انطلقت مسيرة بناء دولة حديثة قامت على الشراكة بين القيادة الهاشمية والشعب الأردني الواحد، وعلى ترسيخ مفهوم الدولة المؤسسية التي تعتمد القانون مرجعية، والعدالة نهجًا، والإنسان محورًا للتنمية والاستقرار.
لقد أدركت الدولة الأردنية منذ نشأتها أن قوة المجتمع تبدأ من قوة منظومته الأخلاقية والقضائية، وأن العدالة تتعدى الإجراءات القانونية المجردة، إلى الشعور بالأمان والعدالة والطمأنينة. ومن هنا، برزت دائرة قاضي القضاة بوصفها إحدى الركائز الأساسية في منظومة الدولة الأردنية، من خلال دورها في ترسيخ العدالة الشرعية، وصون الحقوق، وحماية الأسرة، وتعزيز التماسك المجتمعي؛ فالقضاء الشرعي في الأردن كان عبر العقود جزءًا لا يتجزأ من منظومة الاستقرار الوطني والاجتماعي، لما يرتبط به من قضايا ذات بعد سياسي أولها وأهمها وثيقة البيعة وقضايا تمس حياة الناس بصورة مباشرة، تشمل شؤون الأسرة، ورعاية القاصرين وحفظ أموال الأيتام وتنميتها، والعديد من القضايا التي تعكس البعد الإنساني والقيمي للدولة الأردنية.
وعلى امتداد العقود الماضية، شهدت دائرة قاضي القضاة تطورًا مؤسسيًّا متراكمًا واكب تطور الدولة الأردنية، سواء من خلال التوسع في خدمات المحاكم الشرعية، وتطوير التشريعات والإجراءات القضائية، وتعزيز الحلول الودية للنزاعات كخدمات الإصلاح والوساطة الأسرية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن العدالة الشرعية تشكل ركيزة أساسية لحماية النسيج المجتمعي من خلال حفظ الحقوق وتقليل النزاعات وتعزيز الاستقرار الأسري.
كما أولت الدائرة اهتمامًا متزايدًا بتطوير آليات إدارة أموال الأيتام والقاصرين ورعايتها، ضمن منظومة تستند إلى أعلى درجات المسؤولية والأمانة، بما يجسد الرسالة الأخلاقية والإنسانية التي تضطلع بها المؤسسة القضائية الشرعية في حماية الفئات الأكثر حاجة للرعاية والصون.
لقد استطاع الأردن، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، أن يواصل مسيرة البناء والتحديث مع الحفاظ على ثوابته وقيمه الراسخة، فشهدت الدولة مسارات متقدمة في التحديث السياسي والإداري والاقتصادي، وكان تطوير الجهاز القضائي جزءًا من هذه الرؤية الوطنية الشاملة، انطلاقًا من الإيمان بأن قوة الدول الحديثة تقاس بقدرتها على ترسيخ العدالة وتعزيز كفاءة مؤسساتها والاستجابة لتطلعات مواطنيها. ومن هذا المنطلق واصلت دائرة قاضي القضاة تطوير خدماتها ومواكبة التحولات الحديثة، عبر التوسع في الخدمات الرقمية، وتبسيط الإجراءات، ورفع كفاءة العمل القضائي والإداري، بما يسهم في تسريع الوصول إلى الخدمة وتحسين تجربة المتعاملين وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي، وانعكس هذا التطور بصورة مباشرة على تعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات القضائية، وترسيخ مفهوم العدالة الناجزة.
وعند استحضار المسيرة والإنجازات، نستذكر الدور الكبير لجلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، الذي رسّخ قيم الوحدة الوطنية والاستقرار، وعزز مسيرة بناء الدولة ومؤسساتها، ليواصل الأردن اليوم مسيرته بثبات في ظل قيادة تحمل إرثًا تاريخيًّا ورؤية مستقبلية ترسم ملامح الأردن الحديث. كما بقي الأردن، بقيادته الهاشمية، حاملًا لمسؤولية الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، بوصفها امتدادًا لدوره التاريخي والديني والقومي في حماية الهوية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة.
إن الحديث عن الاستقلال في الأردن هو حديث عن دولة استطاعت أن تحول التحديات إلى فرص للبناء، وأن تحافظ على مؤسساتها فاعلة ومستقرة في وسط إقليم شديد الاضطراب. وهو أيضًا حديث عن مؤسسات حملت مسؤولياتها الوطنية والدينية بإخلاص، وأسهمت في تعزيز الثقة بالدولة وترسيخ سيادة القانون وخدمة الإنسان، إيمانًا بأن قوة الأوطان تبدأ من عدالة رسالتها وقوة تماسك مجتمعها.
وفي عيد الاستقلال، تتجدد معاني الولاء والانتماء، ويتجدد معها العزم لمواصلة العمل على ترسيخ قيم العدالة والإنصاف وتعزيز الثقة بالمؤسسات الوطنية، فالاستقلال مسؤولية مستمرة تتطلب وعيًا وإخلاصًا وعملًا دؤوبًا لحماية مكتسبات الدولة وصون مستقبلها.
حمى الله الأردن، قيادة وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، ليبقى وطن الاعتدال والعدالة، والدولة التي جعلت من الإنسان محورًا للتنمية، ومن المؤسسات حصنًا للاستقرار، ومن العدالة أساسًا لرسالتها الوطنية؛ فالاستقلال الذي تحرسه العدالة، وتحميه المؤسسات، ويؤمن به الإنسان، هو الاستقلال القادر على البقاء.