أخبار اليوم - تالا الفقيه - في ظل اتساع الاعتماد على الإنترنت كمنصة رئيسية للبحث عن فرص العمل، برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة ما بات يُعرف بـ”الوظائف الوهمية”، وهي إعلانات توظيف تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات التوظيف، تعد بفرص مغرية برواتب مرتفعة وامتيازات لافتة، لكنها في النهاية تنتهي غالباً إلى استدراج الباحثين عن عمل في عمليات احتيال مالي أو جمع بيانات شخصية أو استغلال غير مشروع.
عدد من الشباب الباحثين عن عمل يروون تجاربهم مع هذه الإعلانات، حيث يقول أحدهم إنه تواصل مع جهة توظيف عبر الإنترنت بعد إعلان عن وظيفة براتب مغرٍ ومن دون خبرة، قبل أن يُطلب منه دفع رسوم “تسجيل” أو “تأمين وظيفة”، ليتبين لاحقاً أن الجهة اختفت بالكامل. ويضيف أن الحاجة إلى العمل والضغط المعيشي يجعل الكثيرين أكثر عرضة لتصديق مثل هذه العروض، خاصة في ظل محدودية الفرص المتاحة في الواقع.
في المقابل، يرى بعض المواطنين أن المسؤولية لا تقع فقط على المحتالين، بل أيضاً على الباحثين عن العمل الذين يجب أن يتحلوا بدرجة أكبر من الحذر وعدم الانسياق وراء الوعود غير الواقعية، مشيرين إلى أن أي وظيفة تطلب مالاً مقابل التوظيف يجب أن تُعتبر علامة خطر واضحة. ويؤكد هؤلاء أن الوعي الرقمي أصبح ضرورة أساسية في زمن أصبحت فيه عمليات الاحتيال أكثر احترافية وتنظيماً.
مختصون في الأمن السيبراني يحذرون من أن أساليب الاحتيال في سوق العمل الرقمي تطورت بشكل ملحوظ، حيث باتت بعض الجهات تنشئ مواقع إلكترونية وصفحات تبدو احترافية للغاية، وتستخدم أسماء شركات حقيقية أو مزيفة لإضفاء مصداقية على عروضها. ويشير هؤلاء إلى أن الهدف لا يقتصر على الأموال فقط، بل يمتد أحياناً إلى سرقة بيانات حساسة مثل أرقام الهوية والمعلومات البنكية، ما يفتح الباب أمام جرائم إلكترونية أوسع.
ويرى مختصون في سوق العمل أن انتشار البطالة والضغط الاقتصادي يشكلان بيئة خصبة لانتشار هذا النوع من الاحتيال، إذ يستغل المحتالون حاجة الشباب للعمل وسرعة استجابتهم للعروض الجذابة. ويؤكد هؤلاء أن غياب التحقق الرسمي من بعض إعلانات التوظيف على الإنترنت يساهم في تفاقم المشكلة، داعين إلى ضرورة وجود منصات موثوقة ومراقبة أكثر صرامة للإعلانات الوظيفية.
في المقابل، يدافع بعض العاملين في مجال الإعلان الرقمي عن منصات التوظيف الإلكترونية، معتبرين أنها ليست مسؤولة عن كل إعلان مزيف ينشر عبر الإنترنت، خاصة عندما يتم نشره عبر صفحات فردية أو حسابات غير رسمية. ويشير هؤلاء إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف وعي المستخدمين وآليات التحقق الشخصي قبل التقديم أو التفاعل مع هذه العروض.
من جهتها، تدعو جهات مختصة إلى تعزيز حملات التوعية الرقمية، خصوصاً بين فئة الشباب، حول كيفية التمييز بين الوظائف الحقيقية والوهمية، وتجنب الوقوع في فخ الرسوم المسبقة أو طلبات البيانات الحساسة. كما تؤكد على أهمية الإبلاغ عن الحسابات المشبوهة، وتطوير أدوات تقنية لرصد الإعلانات الاحتيالية بشكل أسرع.
وبين من يرى أن هذه الظاهرة نتيجة طبيعية لتطور الجريمة الإلكترونية، ومن يحمّل الأفراد جزءاً من المسؤولية بسبب قلة الوعي، تتواصل التحذيرات من اتساع رقعة “الوظائف الوهمية” على الإنترنت. وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة التشريعات والرقابة الرقمية على مواكبة هذا النوع المتسارع من الاحتيال، وحماية الباحثين عن عمل من الوقوع في فخ وعود تبدو مغرية لكنها تخفي خلفها خسائر مادية ونفسية متزايدة.