كيف تحولت الشهرة على السوشال ميديا إلى الهدف الأول لدى الشباب؟

mainThumb
كيف تحولت الشهرة على السوشال ميديا إلى الهدف الأول لدى الشباب؟

02-06-2026 03:13 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - في وقت كانت فيه أحلام الأجيال السابقة ترتبط بالحصول على وظيفة مستقرة أو تأسيس مشروع خاص أو تحقيق إنجاز أكاديمي ومهني، تبدو منصات التواصل الاجتماعي اليوم وكأنها أعادت رسم خريطة الطموحات لدى شريحة واسعة من الشباب. فمع كل قصة نجاح لصانع محتوى أو مؤثر استطاع أن يحصد ملايين المتابعين ويحول حضوره الرقمي إلى مصدر دخل وشهرة وتأثير، يبرز سؤال يثير نقاشاً متزايداً في الأوساط الاجتماعية والتربوية: هل أصبحت الشهرة على السوشال ميديا الحلم الجديد للشباب؟

هذا السؤال لم يعد مجرد ملاحظة عابرة، بل تحول إلى قضية تثير آراء متباينة بين مؤيدين يرون في المنصات الرقمية فرصة غير مسبوقة لتحقيق الذات والنجاح، ومعارضين يحذرون من تحول الشهرة إلى غاية بحد ذاتها بعيداً عن القيمة الحقيقية للمحتوى أو الإنجاز.

عدد من الشباب لا يخفون أن منصات التواصل أصبحت بالنسبة لهم مساحة مفتوحة لتحقيق طموحات قد لا توفرها المسارات التقليدية. ويقول أحد طلبة الجامعات إن النجاح على السوشال ميديا بات يمثل فرصة حقيقية لبناء مستقبل مهني، خاصة مع ظهور مهن جديدة مرتبطة بصناعة المحتوى والتسويق الرقمي والإعلان الإلكتروني. ويضيف أن كثيراً من المؤثرين استطاعوا تحقيق دخل يفوق ما يمكن الحصول عليه من وظائف تقليدية بعد سنوات طويلة من الدراسة والعمل.

ويشاركه الرأي شاب آخر يرى أن الشهرة لم تعد مجرد بحث عن الأضواء، بل أصبحت وسيلة للوصول إلى الجمهور والتأثير في المجتمع. ويعتقد أن المنصات الرقمية منحت الشباب مساحة للتعبير عن أفكارهم ومواهبهم بعيداً عن القيود التي كانت تفرضها وسائل الإعلام التقليدية.

في المقابل، ينظر آخرون إلى الظاهرة بقدر كبير من القلق. وتقول أم لثلاثة أبناء إن ما يثير مخاوفها ليس استخدام الشباب للتكنولوجيا، بل تحول عدد المتابعين والإعجابات إلى معيار للنجاح والقيمة الاجتماعية. وتضيف أن بعض المراهقين أصبحوا يقيسون مكانتهم بما يحققونه من انتشار رقمي، وهو ما قد يخلق ضغوطاً نفسية وإحباطاً لدى كثيرين.

ويرى مراقبون أن السوشال ميديا نجحت في تغيير مفهوم الشهرة نفسه. فبعد أن كانت مرتبطة بالفن أو الرياضة أو الإنجازات الاستثنائية، أصبحت متاحة لأي شخص يمتلك هاتفاً ذكياً وفكرة قادرة على جذب الجمهور. ويؤكدون أن هذا التحول يحمل جانباً إيجابياً يتمثل في كسر الاحتكار التقليدي للظهور الإعلامي، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام سباق محموم نحو لفت الانتباه بأي وسيلة.

وبحسب مختصين في علم الاجتماع، فإن الظاهرة ترتبط بتحولات أعمق يشهدها العالم الرقمي. فالشباب اليوم يعيشون في بيئة تمنح الظهور والانتشار قيمة كبيرة، حيث تتحول المشاهدات والمتابعات إلى أرقام مرئية للجميع، ما يجعلها أشبه بمقياس للنجاح والقبول الاجتماعي. ويرى هؤلاء أن المشكلة لا تكمن في الشهرة بحد ذاتها، بل في طبيعة الدوافع التي تقف وراء السعي إليها.

ويشير خبراء تربويون إلى أن بعض الشباب أصبحوا ينظرون إلى الشهرة الرقمية باعتبارها طريقاً مختصراً نحو النجاح، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى إهمال التعليم أو تطوير المهارات المهنية على أمل تحقيق انتشار سريع عبر الإنترنت. ويحذرون من أن قصص النجاح المتداولة كثيراً ما تخفي وراءها آلاف المحاولات التي لم تحقق النتائج نفسها.

في المقابل، يرفض متخصصون في الإعلام الرقمي النظرة السلبية المطلقة إلى صناعة المحتوى، مؤكدين أن المنصات الرقمية خلقت اقتصاداً جديداً وفر فرص عمل حقيقية لملايين الأشخاص حول العالم. ويقولون إن النجاح في هذا المجال لا يعتمد فقط على الحظ أو الشهرة العابرة، بل يحتاج إلى الإبداع والاستمرارية والقدرة على تقديم محتوى يجذب الجمهور ويحافظ على اهتمامه.

وبين هذه الآراء المتباينة، يبدو أن الحقيقة تقع في منطقة وسطى. فالسوشال ميديا لم تعد مجرد وسيلة للتواصل والترفيه، بل أصبحت جزءاً من الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للشباب. ومع تزايد تأثيرها في تشكيل الطموحات والخيارات المهنية، يواصل المجتمع طرح أسئلة تتعلق بالحدود الفاصلة بين الطموح المشروع والبحث المفرط عن الشهرة، وبين صناعة محتوى هادف والسعي وراء الانتشار بأي ثمن.

وفي ظل هذا التحول المتسارع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل الشهرة الرقمية فرصة جديدة أمام الشباب لإثبات قدراتهم وتحقيق أحلامهم، أم أنها تعكس تحولاً في مفهوم النجاح نفسه، حيث أصبحت الأضواء والمتابعات تتقدم أحياناً على الإنجاز والمعرفة والخبرة؟ سؤال لا يزال يثير جدلاً واسعاً، ويبدو أنه سيبقى حاضراً ما دامت الشاشات الصغيرة قادرة على صناعة نجوم جدد كل يوم.