"عيد ميلادنا" …
تخيّل معي أول يومٍ لنا في هذه الدنيا…
بعد عناء "أمٍّ" تعبت شهورًا طويلة وهي تنتظر تلك اللحظة، وأبٍ يقف على أحرّ من الجمر ينتظر خبرًا سيغيّر حياته كلها.
ثم تأتي مشيأة الله …
صرخةٌ صغيرة تعلن بداية العمر …
مبارك… مبارك…
فتتحول لحظات القلق والانتظار إلى فرحٍ وسرور، وتمتلئ العيون بالدموع، وتبتسم القلوب قبل الوجوه.
اللهم لك الحمد.
تحملنا أمّهاتنا بين أيديهن لأول مرة، ويتسابق الأهل والأحباب لرؤيتنا وحملنا، والأب لا يكاد يصدق فرحته، فيضمّنا إلى صدره، ويؤذّن في آذاننا، ويكبّر فرحًا بقدومنا.
ثم يتوافد المهنئون إلى البيت، وكلٌّ يحملنا ويقول:
“صدقني بشبه أمّه…”
“لا… بشبه أبوه…”
وتختلف الآراء و التشبيهات ..
بينما تدور "صحون الكراوية" بين الحاضرين
، وتعلو الزغاريد، وتُسمع الصلاة على النبي ﷺ، وتكثر الدعوات الصادقة بأن يجعلنا الله من أهل الخير والصلاح.
وتعلو الأهازيج…
“ و من إيد لإيد…. تكبر وتزيد …”
و تمضي الايام مسرعة مثل البرق .. بس العمر بنقص ما بزيد …
ومن عامٍ إلى عام يأتي تاريخ ميلادنا، فنفرح به، ونتذكر بدايتنا ودعوات من أحبّونا.
لكن…!!
هناك تاريخٌ آخر يمر علينا كل عام أيضًا…
ولا يقل أهمية، لكننا لا نعطيه ما يستحق من اهتمام.
تاريخٌ لا نعرفه بالتحديد، مع أنه كُتب وقدّر قبل ولادتنا…
باليوم، والساعة، والثانية…
تمامًا كما كُتب يوم ميلادنا.
وبعلمنا المحدود لا نعرف متى سيكون…
لا نعرف يومه، ولا شهره، ولا سنته.
وربما يكون أقرب مما نظن.
يمر علينا كل عام ونحن لا نشعر.
نعم…
إنه تاريخ وفاتنا.
التاريخ الذي سيأتي حتمًا، ويُقال فيه:
“في مثل هذا اليوم رحل فلان…”
يوم تُطوى فيه الصحائف، وتنتهي فيه الأعمال، ولا يبقى إلا ما قدّمناه لله.
العجيب أننا نحفظ تاريخ ميلادنا لأنه مرّ مرةً واحدة…
بينما نغفل عن تاريخ رحيلنا، مع أنه يمر علينا في كل عام.
وربما يكون اليوم…
وربما غدًا…
وربما بعد أيام قليلة…
ونحن لا نشعر.
فصدقًا…
ماذا أعددنا لذلك اليوم؟
وماذا وضعنا في صحائف أعمالنا؟
وهل سيكون لنا بعد الرحيل دعواتٌ صادقة من القلوب التي أحبتنا، كما كانت لنا دعواتٌ صادقة يوم ولادتنا ؟؟؟
نحن في غفلةٍ كبيرة…
والعاقبة لمن اتّعظ واتّقى.
اللهم أحسن خاتمتنا، وتوفّنا وأنت راضٍ عنا، واغفر لنا وارحمنا، وأعتق رقابنا من النار، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
اللهم إنا نسألك من خير ما سألك به سيدنا محمد ﷺو النبيّون ، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه سيدنا محمد ﷺ.و النبيّون..
ونسألك لذّة النظر إلى وجهك الكريم بالفردوس الأعلى، لنا ولوالدينا ولجميع أحبتنا ..
..
اوس قدادة
5-6-2026