أخبار اليوم - أعادت تصريحات لنائب رئيس هيئة مستثمري المنطقة الحرة، عامر الجيوسي، حول واقع الاقتصاد الأردني ومستقبل الاستثمار، فتح نقاش واسع بين مواطنين وخبراء اقتصاديين ومستثمرين بشأن مسار السياسات الاقتصادية التي اتبعتها البلاد خلال العقود الماضية، ولا سيما ما يتعلق بالانفتاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية والاعتماد على التمويل الخارجي.
وقال الجيوسي في حديثه إن المشكلة الأساسية في الاقتصاد الأردني تكمن، بحسب رأيه، في التوسع في تبني مفاهيم العولمة والاقتصاد المنفتح، إلى جانب الاعتماد الكبير على المساعدات والاستثمارات الأجنبية، بما في ذلك عبر الخصخصة والشراكات مع شركات دولية في قطاعات استراتيجية، وهو ما اعتبر أنه أضعف دور رأس المال الوطني ودفع جزءاً من المستثمرين الأردنيين إلى البحث عن فرص خارج البلاد. وأضاف أن تعظيم دور المستثمر المحلي واستعادة الاستثمارات الأردنية في الخارج يمثلان، من وجهة نظره، مدخلاً مهماً لأي نهضة اقتصادية، مؤكداً أن الأولوية ينبغي أن تكون لرأس المال الوطني دون إغلاق الباب أمام الاستثمار الأجنبي.
هذه التصريحات لاقت تفاعلاً واسعاً على منصات النقاش، حيث عبّر مواطنون عن اعتقادهم بأن السياسات الاقتصادية خلال السنوات الماضية لم تنعكس بالشكل الكافي على تحسين مستوى المعيشة أو خلق فرص عمل مستدامة، رغم البرامج المعلنة للإصلاح الاقتصادي والانفتاح على الأسواق العالمية. ويرى هؤلاء أن تعزيز دور المستثمر المحلي ومنحه بيئة أكثر دعماً قد يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة داخل السوق الأردنية.
في المقابل، يرى اقتصاديون أن قراءة التحديات الاقتصادية من زاوية واحدة قد لا تعكس الصورة الكاملة، مشيرين إلى أن الأردن، بحكم محدودية موارده الطبيعية وظروفه الجيوسياسية، يعتمد بشكل كبير على الاندماج في الاقتصاد العالمي وجذب الاستثمارات الأجنبية لسد فجوة رأس المال ونقل الخبرات والتكنولوجيا. ويؤكد هؤلاء أن الاستثمار الأجنبي أسهم في تشغيل آلاف الأردنيين وإقامة مشاريع كبرى، معتبرين أن الإشكال لا يكمن في الانفتاح بحد ذاته، بل في جودة البيئة الاستثمارية وقدرتها على تحقيق توازن بين مصلحة الدولة والمستثمر.
كما يلفت مراقبون إلى أن ملف الخصخصة والشراكات مع القطاع الخاص ما يزال من أكثر القضايا إثارة للجدل في النقاش الاقتصادي الأردني، إذ يرى فريق أن هذه السياسات أدت إلى تقليص دور الدولة في بعض القطاعات الحيوية، بينما يعتبرها آخرون جزءاً من توجه عالمي يهدف إلى رفع الكفاءة وتحسين الخدمات وتقليل الأعباء المالية على الحكومات.
وفي سياق متصل، تتصاعد دعوات من داخل الأوساط الاقتصادية إلى إعادة النظر في آليات جذب الاستثمارات، ليس فقط عبر التركيز على المستثمر الأجنبي، بل أيضاً من خلال تحفيز رؤوس الأموال الأردنية العاملة في الخارج وتشجيعها على العودة إلى السوق المحلية. ويشير بعض رجال الأعمال إلى أن هناك استثمارات أردنية كبيرة خارج البلاد يمكن أن تشكل رافعة مهمة للاقتصاد إذا ما توفرت البيئة المناسبة.
لكن خبراء اقتصاديين يشددون في المقابل على أن استقطاب رؤوس الأموال لا يتحقق بالشعارات أو الخطاب العام، بل يتطلب إصلاحات عميقة تتعلق بالتشريعات، واستقرار السياسات، وتبسيط الإجراءات، وتوفير حوافز تنافسية تجعل الاستثمار في الأردن خياراً جاذباً مقارنة بالأسواق الإقليمية والدولية.
ويذهب عدد من المختصين إلى أن النقاش الحقيقي لا يجب أن يكون بين الانفتاح والانغلاق، بل حول كيفية بناء نموذج اقتصادي متوازن يجمع بين الاستفادة من الاستثمار الأجنبي وتعزيز دور رأس المال الوطني في آن واحد، بما يضمن استدامة النمو وتوسيع قاعدة الإنتاج وخلق فرص العمل.
ويرى مراقبون أن التحدي الأكبر أمام الاقتصاد الأردني يتمثل في الانتقال من الاعتماد على مصادر خارجية متعددة إلى بناء قدرة داخلية أكثر استقراراً، مع الحفاظ على الانخراط في الاقتصاد العالمي دون فقدان القدرة على حماية المصالح الوطنية.
وبين تأييد لوجهة النظر التي تدعو إلى إعادة الاعتبار للمستثمر المحلي وتقليص الاعتماد الخارجي، وتحفظ من جانب آخر يرى أن الانفتاح الاقتصادي ضرورة لا غنى عنها، يستمر الجدل حول مستقبل السياسة الاقتصادية في الأردن، في ظل اتفاق عام على أن تحسين بيئة الأعمال وتعزيز الإنتاج المحلي وتوفير فرص العمل تبقى أهدافاً مشتركة، رغم اختلاف المقاربات حول الطريق الأمثل لتحقيقها.