الأطباء والمهندسون يغادرون .. هل أصبحت الفرص في الخارج أقوى من البقاء؟

mainThumb
الأطباء والمهندسون يغادرون.. هل أصبحت الفرص في الخارج أقوى من البقاء؟

27-06-2026 03:04 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - يتواصل الجدل في الأردن حول تزايد هجرة الأطباء والمهندسين إلى الخارج، في ظل أرقام متصاعدة تشير إلى انتقال أعداد من أصحاب الكفاءات للعمل في دول توفر فرصاً مهنية ورواتب أعلى، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مستقبل سوق العمل المحلي، وقدرة القطاعات الحيوية على الاحتفاظ بكوادرها، وسط انقسام في الآراء بين من يرى الهجرة حقاً مشروعاً، ومن يعتبرها تحدياً يهدد التنمية ويستنزف رأس المال البشري.

ويقول مواطنون إن مغادرة أعداد متزايدة من الأطباء والمهندسين أصبحت ظاهرة لافتة خلال السنوات الأخيرة، مشيرين إلى أن الحديث عن السفر والعمل في الخارج بات حاضراً في معظم المجالس المهنية، خاصة بين حديثي التخرج وأصحاب الخبرات الذين يبحثون عن ظروف معيشية ومهنية أفضل.

ويرى مؤيدون للهجرة أن القرار في جوهره يرتبط بحق الفرد في تحسين مستوى حياته، مؤكدين أن الفجوة بين الرواتب المحلية ونظيرتها في الخارج، إلى جانب توفر بيئات عمل أكثر استقراراً وفرص أوسع للتدريب والتخصص والتطور المهني، تجعل خيار السفر منطقياً بالنسبة للكثيرين.

ويعتقد آخرون أن المشكلة لا تقتصر على الجانب المالي، بل تشمل أيضاً محدودية الفرص الوظيفية في بعض التخصصات، وارتفاع معدلات المنافسة، وبطء الترقي الوظيفي، فضلاً عن شعور بعض الكفاءات بأن خبراتها لا تجد التقدير الذي يتناسب مع سنوات الدراسة والتأهيل.

في المقابل، يرى معارضون أن الهجرة المتزايدة تحمل كلفة كبيرة على الدولة والمجتمع، لافتين إلى أن الأردن استثمر لسنوات في إعداد هذه الكفاءات داخل الجامعات والمؤسسات التعليمية، وأن خسارتها تعني فقدان خبرات يحتاج إليها القطاعان الصحي والهندسي في مرحلة تتطلب تنفيذ مشاريع تنموية وتحسين جودة الخدمات.

ويشير مواطنون إلى أن مغادرة الأطباء تنعكس بصورة مباشرة على القطاع الصحي، خاصة في بعض المناطق التي تعاني أصلاً نقصاً في الاختصاصات الطبية، بينما يؤدي انتقال المهندسين إلى الخارج إلى فقدان خبرات كان يمكن أن تسهم في تطوير مشاريع البنية التحتية والطاقة والصناعة والتكنولوجيا.

ويرى مختصون في الاقتصاد أن هجرة الكفاءات ليست ظاهرة محلية فحسب، بل تمثل تحدياً تواجهه دول عديدة، إلا أن استمرارها بوتيرة مرتفعة قد يؤدي إلى خسارة رأس مال بشري يصعب تعويضه، مؤكدين أن الاستثمار في الإنسان لا يكتمل بمجرد التعليم، بل يتطلب توفير بيئة قادرة على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.

ويؤكد مختصون في سوق العمل أن كثيراً من الأطباء والمهندسين لا يغادرون فور تخرجهم، وإنما بعد سنوات من العمل واكتساب الخبرة، وهو ما يعني أن الاقتصاد المحلي يتحمل كلفة التأهيل، بينما تجني أسواق أخرى ثمار هذه الخبرات، الأمر الذي يفرض مراجعة السياسات المتعلقة بالأجور والحوافز وفرص التطور المهني.

في المقابل، يرى مراقبون أن للهجرة جانباً إيجابياً لا يمكن تجاهله، إذ تسهم في نقل الخبرات والمعارف، كما توفر تحويلات مالية من العاملين في الخارج تدعم الاقتصاد الوطني وأسرهم، فضلاً عن أن بعض الكفاءات تعود لاحقاً بخبرات دولية يمكن أن تنعكس على تطوير المؤسسات المحلية.

ويشير مختصون إلى أن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على الدعوات للبقاء، وإنما تتطلب معالجة الأسباب التي تدفع الكفاءات إلى المغادرة، من خلال تحسين بيئة العمل، وتوفير مسارات واضحة للتطور الوظيفي، وتعزيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق فرص عمل نوعية، بما يحقق التوازن بين حق الأفراد في اختيار مستقبلهم المهني، وحاجة الدولة إلى الحفاظ على كوادرها.

وبين من يعتبر الهجرة خياراً شخصياً تفرضه اعتبارات اقتصادية ومهنية، ومن يراها نزيفاً للكفاءات ينعكس على التنمية وجودة الخدمات، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة سوق العمل الأردني على استعادة تنافسيته، وتحويل الكفاءات الوطنية من باحثة عن الفرص في الخارج إلى شريك رئيسي في بناء الاقتصاد داخل البلاد، في ظل تحديات اقتصادية ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة.