أخبار اليوم - تالا الفقيه - عادت قضية أقساط الجامعات إلى واجهة النقاش العام، وسط تصاعد انتقادات ومطالبات بإجراءات فعلية تخفف الأعباء المالية عن الطلبة وأسرهم، في ظل شكاوى من ارتفاع كلفة الدراسة وما يرافقها من رسوم ومصاريف إضافية باتت تشكل تحدياً حقيقياً أمام العديد من العائلات.
وتكشف ردود الفعل المتداولة حول ملف الأقساط عن حالة من الاستياء، إذ يرى مواطنون أن الحديث عن دعم الطلبة أو معالجة كلفة التعليم لا يكفي ما لم ينعكس على أرض الواقع بإجراءات واضحة وملموسة، فيما عبّر آخرون عن اعتقادهم بأن الجامعات، وخصوصاً الخاصة، أصبحت تتعامل مع التعليم بمنطق تجاري يثقل كاهل الأسر.
ولم يقتصر الجدل على أقساط الجامعات الخاصة، إذ امتد إلى الجامعات الحكومية أيضاً، مع شكاوى من ارتفاع بعض الرسوم والتكاليف المرتبطة بالتخصصات والخدمات الجامعية، الأمر الذي يزيد الضغوط على الأسر التي تحاول تأمين تعليم أبنائها في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد الالتزامات الشهرية.
ويقول مواطنون إن المشكلة لم تعد محصورة في قيمة القسط الجامعي وحده، بل في الكلفة الكاملة التي يتحملها الطالب وأسرته طوال سنوات الدراسة، بدءاً من الرسوم الجامعية، مروراً بالمواصلات والكتب والمستلزمات، وصولاً إلى السكن والمعيشة بالنسبة للطلبة القادمين من محافظات ومناطق بعيدة.
وتزداد صعوبة المشهد بالنسبة للأسر التي لديها أكثر من طالب جامعي في الوقت نفسه، حيث تتحول الأقساط إلى التزام مالي متكرر يستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسرة، وقد يدفع بعض الأهالي إلى الاقتراض أو الاستدانة أو تأجيل احتياجات أخرى من أجل ضمان استمرار أبنائهم في الدراسة.
وفي خضم هذه المطالبات، برزت تساؤلات حول مدى جدية أي وعود أو تصريحات تتعلق بتخفيف الأعباء عن الطلبة، إذ عبّر مواطنون عن استيائهم من كثرة الحديث عن الحلول مقابل محدودية الإجراءات التي يشعرون بها في حياتهم اليومية.
كما أعاد النقاش طرح ملف العدالة في الوصول إلى التعليم العالي، خصوصاً أن ارتفاع الكلفة قد يجعل بعض التخصصات أو الجامعات خارج قدرة شرائح واسعة من الأسر، رغم تفوق أبنائها وحصولهم على معدلات تؤهلهم لمواصلة التعليم.
ويرى متابعون أن معالجة ملف الأقساط تحتاج إلى رؤية شاملة لا تقتصر على تخفيض رقم القسط فقط، وإنما تشمل مراجعة الرسوم المختلفة، وتكاليف الخدمات الجامعية، وآليات التقسيط، والمنح والمساعدات، إضافة إلى وضع ضوابط واضحة تحول دون تحميل الطالب وأسرته أعباء مالية غير ضرورية.
كما يطالب مواطنون بزيادة الشفافية في الإعلان عن كلفة الدراسة الفعلية، بحيث يكون الطالب وولي أمره على معرفة مسبقة بكل الرسوم والتكاليف التي سيدفعها خلال سنوات الدراسة، بعيداً عن أي رسوم إضافية تظهر لاحقاً وتزيد من حجم الالتزام المالي.
ويأتي هذا الجدل في وقت أصبحت فيه الشهادة الجامعية بالنسبة إلى كثير من الأسر استثماراً ضرورياً في مستقبل أبنائها، إلا أن ارتفاع كلفة هذا الاستثمار يطرح سؤالاً صعباً حول قدرة الأسرة الأردنية على الاستمرار في تحمله.
فالأب الذي يدفع قسطاً جامعياً لا يدفع مبلغاً منفصلاً عن بقية نفقات الحياة؛ فهو في الوقت ذاته أمام فواتير منزلية، وأقساط، ونفقات غذاء ومواصلات، والتزامات أخرى، ما يجعل أي ارتفاع إضافي في كلفة التعليم عبئاً مباشراً على ميزانية الأسرة.
وتعكس التعليقات المتداولة حالة من فقدان الثقة لدى شريحة من المواطنين، إذ لم يعد السؤال بالنسبة لهم عن حجم الوعود أو عدد التصريحات، وإنما عن الإجراء الذي سيشعر به الطالب فعلياً عند تسجيل مواده ودفع قسطه الجامعي.
وبينما تتواصل المطالبات بمعالجة ملف الأقساط، تبدو الرسالة الأبرز التي يوجهها المواطنون واضحة: التعليم ليس رفاهية، ولا ينبغي أن يتحول القسط الجامعي إلى سبب يمنع الطالب من إكمال دراسته.
ويبقى التحدي أمام الجهات المعنية في الوصول إلى صيغة تضمن استدامة مؤسسات التعليم العالي من جهة، وتحمي الطلبة والأسر من ارتفاع الكلفة من جهة أخرى، بما يضمن ألا يصبح الوضع المالي للأسرة العامل الحاسم في تحديد قدرة أبنائها على الحصول على التعليم الجامعي.
وفي النهاية، فإن ملف الأقساط لا يتعلق بأرقام تُدفع في بداية كل فصل دراسي فقط، بل بمستقبل آلاف الطلبة الذين ينتظرون أن تتحول المطالبات المتكررة إلى حلول حقيقية تخفف عن أسرهم، وتمنحهم فرصة إكمال تعليمهم دون أن يتحول الحلم بالشهادة الجامعية إلى عبء مالي يمتد لسنوات.