رصاصات الأفراح بين العقوبة الجنائية والتعويضات

mainThumb
رصاصات الأفراح بين العقوبة الجنائية والتعويضات

13-08-2026 11:47 AM

printIcon

الدكتور المحامي محمد منجي القطيشات


قد ينقلب الفرح في ثوانٍ معدودة إلى مأتم، وتتحول إلى صراخ ونحيب، ان هذا ليس مشهداً من فيلم درامي، بل أنه واقع مرير يتكرر في مجتمعنا نتيجة استهتار قلة حوّلت السلاح المنفلت إلى أداة للتعبير عن فرحها . هذا السلوك الذي بات يهدد و يروع المجتمع ، لم يعد يُنظر إليه اليوم كحادث عابر أو مجرد خطأ غير مقصود، بل واجهته الدولة بجبهة قانونية مزدوجة ومحكمة؛ جبهة تلاحق المستهتر جزائياً من خلال تقيد حريته و وضعه بالسجن ، و من جانب اخر تعاقبه مدنياً في ماله لتعويض الضحايا و جبر الضرر وتجفيف منابع هذا الاستهتار.
إن السكوت عن هذا العبث في ارواح و ممتلاكات الاخرين يعد استهتار ، ولذلك كان لابد من تفكيك هذه الظاهرة وفرض اشد العقوبات وعلى الصعيد الجزائي، حسم القضاء الجدل التاريخي حول تكييف هذه الجريمة؛ حيث استقر اجتهاد محكمة التمييز على اعتبار إطلاق النار العشوائي في المناسبات الذي ينتج عنه الموت جريمة "قتل قصد" وليس قتلاً خطأ.
هذا التكييف يستند قانوناً إلى مفهوم "القصد الاحتمالي"، فالشخص الذي يطلق الرصاص في المناطق السكانية يعلم يقيناً خطورة فعله وتوقّع النتيجة القاتلة، ومع ذلك قبل بالمخاطرة. وهذا ما نصت عليه المادة (64) من قانون العقوبات الأردني صراحة: "النتيجة الجرمية تقع تحت طائلة القانون إذا كان الفاعل قد توقع حصولها فخاطر واستمر في فعله".
بالتالي، يسقط هنا أي عذر يدعي الإهمال أو الخطأ، ويُعامل مطلق النار معاملة القاتل العمد الذي خطط لجريمته، طالما أنه استخف بحياة الاخرين ،ولم يتوقف المشرع عند حدود التكييف العام، بل أفرد نصوصاً خاصة وصارمة للقضاء على هذا السلوك ذاته حتى لو لم ينتج عنه قتل أو اصابة شخص، فالمادة (330 مكررة) من قانون العقوبات الأردني واضحة وصريحة في منطوقها، حيث تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر كل من أطلق عياراً نارياً دون داع، وكما أنه يتم مصادرة السلاح المستخدم و سواء كان مرخصاً أو غير مرخص .
أما إذا أدى هذا السلوك إلى بتر أو تعطيل عضو أو إحداث عاهة مستديمة، فإن العقوبة ترتفع لتصل إلى الأشغال الشاقة المؤقتة. وفي حال نتج عن إطلاق النار حالة وفاة، فإن النص القانوني وتعديلاته يوقعان عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة لمدة تصل إلى عشرين عاماً.
هذا التغليظ التشريعي يعكس رغبة حقيقية في القضاء على هذه الظاهرة من جذورها، وإيصال رسالة قاطعة بأن العبث بأرواح الناس وممتلكاتهم و الاستخفاف بسلامتهم ثمنه سنوات طويلة تقضى في السجون .
لكن العدالة لا تكتمل بوضع الجاني خلف القضبان فحسب، بل تمتد ايضاً لحماية حقوق الضحايا وعائلاتهم من خلال "الادعاء بالحق الشخصي" والمطالبة بالتعويضات المدنية، وهي الجبهة التي قد يغفل عنها الكثيرون لكنها تمثل قصاصاً مالياً يلحق بالمستهتر. فالقاعدة القانونية الراسخة في المادة (256) من القانون المدني الأردني تؤكد أن: "كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر". هذا النص يفتح الباب واسعاً أمام المتضررين أو ذويهم لإقامة دعوى تبعية أمام المحكمة الجزائية ذاتها أو أمام المحاكم المدنية، للمطالبة بتعويضات مالية ومعنوية عن ما أصابهم، كحق أصيل لا يمكن للمحكمة الجزائية أن تتجاهله عند إصدار حكمها النهائي.وتتوسع أحكام القانون المدني في تحديد آلية الضرر وحجمه لضمان جبر الضرر؛ إذ تنص المادة (266) من القانون المدني على أن الضمان يُقدّر في جميع الأحوال بقدر ما اصاب المضرور من ضرر وما فاته من كسب، شريطة أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار. لتشمل تكاليف العلاج ، وفقدان الدخل المستقبلي للعائلة في حال غياب معيلها المصاب أو المتوفى .
كما أن المشرع لم يغفل عن الحالة النفسية للمصاب نفسه أو حالة أهل المتوفى أو المصاب، حيث جاءت المادة (267) من القانون ذاته و نصت صراحة على جواز الحكم بالتعويض عن الاضرار المعنوية، مؤكدة أن هذا الحق في التعويض عن الآلام النفسية والحسرة المترتبة على الموت يمتد ليشمل الأزواج والأقربين من الأسرة، هذا يعني أن القانون يلزم الفاعل بدفع تعويضات تجبر كسر قلوب الآباء و الأمهات و الابناء و الأزواج و الاخوه، وتُقتطع مباشرة من أمواله وممتلكاته الخاصة ليدفع ثمن استهتاره و مخالفته للقوانين.
إن هذا الجمع بين الردع الجزائي و دفع التعويضات المالية يمثل الحصار القانوني الأمثل لمعاقبة المستهترين في حرياتهم وأموالهم معاً، ومع ذلك، لا بد من نشر الوعي المجتمعي بين الناس ينبذ هذه الممارسات ميدانياً حتى يبقى الفرح في ديارنا و للحفاظ على الأرواح و الممتلكات، يبدأ الأمر من خلال مقاطعة أي مناسبة يطلق بها العيارات النارية، ورفع الغطاء العشائري عن المخالفين للقانون و الاعراف دون خجل أو مجاملة، لتصبح المقاطعة الشعبية هي خط الدفاع الأول ، وهذا ما أكدت عليه دائرة الافتاء من تحريم هذه الأفعال لما فيها من تخويف و ترويع و أذى و أزهاق ارواح الناس بالأضافة الى اهدار و إتلاف للمال .