أخبار اليوم - ساره الرفاعي
ينتهي الدوام الرسمي على الورق، لكن بالنسبة لعدد من الموظفين قد لا ينتهي العمل فعلياً. مهام عاجلة، رسائل واتصالات بعد ساعات الدوام، اجتماعات تمتد إلى المساء، وطلبات بإنجاز أعمال إضافية دون أن يقابل ذلك احتساب واضح لساعات العمل أو بدل مالي عنها.
القضية التي تبدو في ظاهرها مرتبطة بساعات إضافية، تحمل في داخلها سؤالاً أكبر حول **حق الموظف في أن تنتهي ساعات عمله فعلاً عند انتهاء الدوام، وألا يتحول الوقت الإضافي إلى التزام دائم غير محسوب.**
فالموظف الذي يبقى ساعة أو ساعتين إضافيتين بشكل متكرر لا يقدم مجرد «مساعدة» لصاحب العمل، وإنما يقدم وقتاً وجهداً لهما قيمة، خصوصاً عندما تصبح الساعات الإضافية جزءاً ثابتاً من طبيعة الوظيفة.
ويشير عاملون إلى أن المشكلة لا تكون دائماً في إجبار الموظف بشكل مباشر على البقاء، وإنما في الضغوط غير المعلنة؛ موظف يخشى أن يرفض طلباً بالبقاء، أو أن يُنظر إليه على أنه غير متعاون، أو أن يؤثر رفضه في تقييمه أو فرصه داخل مكان العمل.
وهنا يصبح السؤال: هل يستطيع الموظف فعلاً أن يقول «انتهى دوامي» دون أن يخشى تبعات ذلك؟
وتزداد الإشكالية عندما يتم التواصل مع الموظف خارج ساعات العمل وكأن وجوده متاح طوال اليوم؛ مكالمة هاتفية، رسالة عبر تطبيقات التواصل، بريد إلكتروني، أو مهمة عاجلة تصل بعد انتهاء الدوام، لتتحول الحدود بين وقت العمل والوقت الشخصي إلى مساحة غير واضحة.
ولا تتعلق القضية فقط بالمال، فاستمرار العمل لساعات طويلة دون تنظيم قد ينعكس على حياة الموظف الأسرية والاجتماعية، وعلى قدرته على الراحة، وقد يؤدي مع الوقت إلى الإرهاق وانخفاض الإنتاجية.
في المقابل، تحتاج المؤسسات أحياناً إلى ساعات عمل إضافية بسبب ضغط العمل أو طبيعة بعض الوظائف، لكن ذلك لا يعني أن تبقى الساعات الإضافية مفتوحة بلا سقف أو بلا آلية واضحة للاحتساب والتعويض.
المطلوب هو تنظيم واضح لساعات العمل الإضافية، وتوثيقها، ومعرفة متى تصبح إلزامية، وكيف يتم تعويض الموظف عنها، وما هي حقوقه إذا رفض العمل خارج ساعات دوامه دون ترتيب مسبق.
كما أن الرقابة لا ينبغي أن تقتصر على متابعة حضور الموظف وانصرافه، بل يجب أن تشمل أيضاً التأكد من أن ساعات العمل الفعلية لا تتجاوز الساعات المقررة بصورة مستمرة دون مقابل أو تنظيم.
فالوقت الذي يقدمه الموظف خارج ساعات عمله ليس وقتاً مجانياً، واعتبار الساعات الإضافية «أمراً طبيعياً» قد يحول الاستثناء إلى قاعدة.
وفي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وضغوط العمل، يصبح الحفاظ على حقوق الموظف أكثر أهمية، خصوصاً أن كثيراً من العاملين لا يملكون رفاهية خسارة وظائفهم أو الدخول في مواجهة مباشرة مع أصحاب العمل.
القضية هنا ليست رفض الموظف للعمل، وإنما ضمان ألا يتحول التزامه إلى باب للاستغلال.
فإذا كان العمل الإضافي حاجة حقيقية للمؤسسة، فليكن منظماً ومعلوماً ومقابله واضحاً.
أما أن ينتهي الدوام ويستمر العمل بلا احتساب ولا تعويض، فالسؤال الذي يبقى مطروحاً: من يحمي وقت الموظف عندما يصبح وقت العمل بلا نهاية؟