أخبار اليوم - راما منصور
لم تعد المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تدور حول قدرته على كتابة النصوص أو تحليل البيانات أو تنفيذ المهام بسرعة تفوق الإنسان، بل انتقلت إلى سؤال أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما تصبح هذه التقنية قادرة على التأثير في قرارات وقطاعات حيوية على نطاق واسع، وبسرعة يصعب معها إيقاف آثارها؟
المقارنة بين الذكاء الاصطناعي والسلاح النووي لم تعد مجرد طرح خيالي، خصوصاً مع اتساع قدرات الأنظمة الذكية ودخولها في مجالات متعددة تمس حياة الناس والاقتصادات والأمن والمعلومات. فالخطر في الذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بامتلاك آلة مدمرة، وإنما بإمكانية توظيف منظومات رقمية قادرة على العمل بسرعة هائلة، واتخاذ قرارات أو إنتاج محتوى أو تنفيذ عمليات يصعب على الإنسان متابعة تفاصيلها لحظة بلحظة.
السلاح النووي يمتلك قوة تدميرية هائلة، لكنه يحتاج إلى منظومة مادية وبشرية محددة لاستخدامه، ويمكن رصد كثير من مظاهر امتلاكه وتحركاته. أما الذكاء الاصطناعي فيمكن أن ينتشر داخل المؤسسات والأجهزة والهواتف والمنصات والأنظمة الرقمية دون أن يبدو في ظاهره كأداة خطرة، فيما قد تتضاعف آثاره مع كل عملية استخدام جديدة.
ومن أكثر مصادر القلق انتشار المعلومات المضللة والمحتوى المصطنع، إذ بات من الممكن إنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية ونصوص تبدو مقنعة بدرجة كبيرة، ما يجعل التمييز بين الحقيقي والمفبرك أكثر صعوبة، ويمنح التضليل قدرة أكبر على الوصول إلى أعداد ضخمة من الناس خلال وقت قصير.
ولا يقف الأمر عند المعلومات؛ فكلما توسع الاعتماد على الأنظمة الذكية في الاقتصاد والخدمات والبنية التحتية والقرارات الحساسة، يصبح الخطأ أو سوء الاستخدام أكثر تأثيراً. نظام واحد مصمم بصورة سيئة أو مستخدم بطريقة غير مسؤولة يمكن أن ينتج سلسلة من النتائج تتجاوز الشخص الذي بدأ العملية إلى مؤسسات وقطاعات وأعداد كبيرة من المتأثرين.
والأخطر أن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج بالضرورة إلى سيناريو كارثي حتى يصبح مشكلة. الاستخدام اليومي غير المسؤول قد يكون كافياً لإحداث أضرار متراكمة؛ من انتهاك الخصوصية والتلاعب بالمعلومات، إلى الاحتيال الرقمي والتأثير في القرارات وتغيير طبيعة سوق العمل.
لهذا السبب، فإن وصف الذكاء الاصطناعي بأنه “أخطر من السلاح النووي” ليس حقيقة علمية محسومة يمكن إطلاقها بلا تحفظ، لكنه يعكس حجم المخاوف المتزايدة من تقنية تختلف طبيعتها عن الأسلحة التقليدية: انتشارها أسرع، واستخداماتها أوسع، والوصول إليها أسهل، وتأثيراتها قد تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية دون أن يلاحظها الناس في البداية.
المعضلة الحقيقية ليست في وجود الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، وإنما في قدرة البشر على وضع حدود واضحة لاستخدامه قبل أن يصبح التطور التقني أسرع من قدرة القوانين والمؤسسات والمجتمعات على مواكبته.