خطاب جلالة الملك في الأمم المتحدة: «حين تُعاد هندسة المنطقة بالقوة، ومعركة قواعد اللعبة

mainThumb
اللواء المتقاعد الدكتورعدنان العبادي

22-09-2026 10:33 PM

printIcon

اللواء المتقاعد الدكتورعدنان العبادي

لم يكن خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد توصيف للأزمة الفلسطينية، بل كان اشتباكاً مع عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي بالقوة. فالمسألة، من منظور استراتيجي، لم تعد حرباً في غزة أو صراعاً على الضفة، وإنما محاولة لتغيير معادلات الجغرافيا والديموغرافيا والردع والسيادة، بحيث تتحول الوقائع التي تُفرض اليوم إلى قواعد للعبة غداً، فالمعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، بل على من يمتلك حق تعريف الواقع السياسي والأمني للمنطقة.

أما الأردن، فلا يتعامل مع هذه التحولات من موقع المتفرج؛ فهو يقع في نقطة تقاطع جيوسياسية بين أكثر ساحات الإقليم اضطراباً. ولذلك فإن القضية الفلسطينية، والتهجير، والقدس، والضفة، وسوريا، والحدود والمياه، ليست ملفات منفصلة في العقيدة الأمنية الأردنية، بل متغيرات داخل منظومة واحدة اسمها الأمن الوطني الأردني. وهنا يسطر الملك الاستراتيجية الهاشميه بمنع انتقال الأردن من دولة تتأثر بالتحولات إلى دولة تُفرض عليها نتائجها. ولذلك فإن الأمن الوطني الأردني ليس ورقة تفاوض ولا هامشاً للمساومة، إنه خط أحمر تُبنى حوله حسابات الدولة، وتُستخدم الدبلوماسية والتحالفات والشرعية الدولية كأدوات وقائية لحمايته. وقد شدد الملك في السياق الإقليمي على حماية أمن الحدود والمصالح الحيوية الأردنية، فيما يؤكد الموقف الأردني رسمياً أن حل القضية الفلسطينية يرتبط مباشرة بالأمن والاستقرار الإقليميين.

والقراءة الأبعد للخطاب أن الأردن يحاول منع انتقال المنطقة من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة إعادة رسمها. فالخطر الاستراتيجي لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في أن تنتج الحرب واقعاً جديداً يصبح لاحقاً نقطة انطلاق لصراع أكبر. ولهذا فإن موقف الملك يمكن قراءته كاستراتيجية احتواء مبكر لمنع تغيير قواعد الاشتباك الإقليمي قبل أن يصبح أمراً واقعاً:(دولة فلسطينية قابلة للحياة، رفض التهجير، حماية القدس، احترام سيادة الدول، وحماية المصالح الوطنية الأردنية). وفي عالم يتراجع فيه الردع القانوني أمام اختبار القوة، تصبح المسألة في جوهرها صراعاً على من يكتب قواعد المرحلة القادمة.