أخبار اليوم – سارة الرفاعي
حذّرت الدكتورة رولا بزادوغ من تحوّل
الانشغال المستمر إلى
أسلوب حياة، مشيرة إلى أن البعض بات يتعامل مع عدم امتلاك الوقت وكثرة المسؤوليات باعتبارها دليلاً على النجاح والأهمية.
وقالت بزادوغ إن هناك فرقاً بين أن تكون لدى الإنسان مسؤوليات ومهام كثيرة، وبين أن يصبح غير قادر على تحمّل لحظات الفراغ أو التوقف، متسائلة عن قدرة الإنسان على الجلوس لعدة دقائق دون هاتف أو عمل أو أي نشاط يشغله عن نفسه.
وأوضحت أن
الانشغال المستمر قد يتحول أحياناً إلى وسيلة للهروب من مشاعر أو أسئلة داخلية، مبينة أن الإنسان قد يلجأ إلى العمل عند الشعور بالقلق، أو إلى الهاتف عند الإحساس بالوحدة، أو إلى ملء وقته بأي نشاط لتجنب مواجهة التعب أو الضغوط النفسية.
وأشارت إلى أن المجتمع، في كثير من الأحيان، يكافئ
الانشغال ويعتبر الإرهاق وقلة النوم وكثرة الالتزامات مؤشرات على الاجتهاد والنجاح، في حين تصبح الراحة بحاجة إلى مبرر، مؤكدة أن هذا النمط قد ينعكس على الصحة والرفاه النفسي.
وبيّنت بزادوغ أن التوقف الجسدي
لا يعني بالضرورة الحصول على الراحة النفسية، إذ قد يكون الإنسان جالساً دون عمل، بينما يبقى ذهنه منشغلاً بالمهام والمواعيد والرسائل وما يجب إنجازه لاحقاً.
وأضافت أن التعافي الحقيقي يحتاج إلى مساحة ينفصل فيها الإنسان ذهنياً عن المطالب المستمرة، لافتة إلى أن دراسات التعافي من العمل تربط بعض عناصر الانفصال النفسي عن العمل بتحسن الصحة والرفاه.
وقالت إن الإجازة نفسها قد
لا تحقق الغاية منها إذا اصطحب الإنسان عمله وتفاصيله اليومية معه، ليعود في نهاية الإجازة وهو بحاجة إلى إجازة أخرى.
ولفتت بزادوغ إلى أن الإنسان قد يشارك أحياناً في صناعة انشغاله بسبب صعوبة قول "لا"، والخوف من إغضاب الآخرين أو الظهور بمظهر المقصر، ما يدفعه إلى الموافقة على التزامات إضافية ثم الشكوى من ضيق الوقت.
كما حذرت من نقل ثقافة
الانشغال إلى الأطفال، من خلال ملء يومهم بالمدرسة والأنشطة والتدريبات والمواعيد، معتبرة أن الطفل يحتاج أيضاً إلى مساحة للعب والملل والتأمل واكتشاف الأشياء بعيداً عن ضرورة استثمار كل دقيقة.
وأوضحت أن الفراغ
ليس بالضرورة
مشكلة يجب التخلص منها، بل قد يكون مساحة تساعد الدماغ على المعالجة والخيال والتأمل وتنظيم الأفكار.
ودعت بزادوغ إلى إعادة النظر في طريقة التعامل مع الوقت، قائلة إن السؤال عند وجود نصف ساعة فارغة
لا ينبغي أن يكون فقط "ماذا سأفعل فيها؟"، بل "هل أحتاج فعلاً إلى ملئها؟".
وأكدت أن وجود مسؤوليات وضغوط حقيقية في بعض مراحل الحياة أمر طبيعي، مشددة في الوقت ذاته على ضرورة عدم تحويل
الانشغال إلى هوية أو تعريف للإنسان، وألا يصبح وسيلة دائمة للهروب من الذات والحياة.