من يستطيع تشكيل حكومة إصلاح وطني… حكومة تُعيد للدولة قوتها وللمواطن كرامته

mainThumb
من يستطيع تشكيل حكومة إصلاح وطني… حكومة تُعيد للدولة قوتها وللمواطن كرامته

12-10-2026 12:13 PM

printIcon

الدكتور خالد محمد السُليمي: عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية

اولاً: نحن لسنا أمام أزمة عابرة… بل أمام امتحان حقيقي لقدرة الدولة على التجدد
لا يحتاج الأردني إلى خطاب حماسي ليقتنع بأن الأوضاع صعبة، يكفي أن ينظر إلى راتبه في نهاية الشهر، أو إلى فاتورة الكهرباء، أو إلى قائمة الانتظار في المستشفى الحكومي، ليدرك أن هناك خللاً حقيقياً يحتاج إلى معالجة، لكن الاعتراف بالمشكلة ليس اعترافاً بالعجز، الأردن يملك من الإمكانات ما يجعله قادراً على النهوض: موقع جغرافي فريد، وكفاءات بشرية متميزة، وعلاقات إقليمية ودولية متوازنة، ومؤسسات أمنية وعسكرية هي الأقوى في المنطقة، لكن هذه الإمكانات تظل راكدة إذا لم تُدار بذكاء وجرأة، المطلوب اليوم ليس "حكومة أخرى"، بل حكومة تعرف إلى أين تسير، وتعرف كيف تقيس النتائج، وتقبل أن تُحاسب علناً على كل وعد قطعته، المواطن لم يعد يطلب المستحيل، بل يطلب أن يرى تحسناً ملموساً في حياته اليومية خلال فترة زمنية محددة، هذا هو الحد الأدنى للثقة، وهو الأساس لأي إصلاح حقيقي.

ثانياً: أكثر من ثلاثون عاماً من الأسئلة… هل أصبحت كلفة الحياة أكبر من قدرة المواطن؟
منذ عقود، والمواطن الأردني يطرح السؤال نفسه: كيف أعيش بكرامة براتب لا يكفي؟ الأرقام الرسمية تقول إن متوسط دخل الأسرة الأردنية لا يواكب الارتفاع المستمر في الأسعار، بينما الرواتب في القطاعين العام والخاص تكاد تكون ثابتة، النتيجة أن الأسر تلجأ إلى الاستدانة، أو إلى العمل الإضافي، أو إلى تقليص أبسط الاحتياجات، الحكومة تتحدث عن "الدعم" و"البرامج"، لكن المواطن لا يرى أثراً ملموساً، المطلوب هنا ليس زيادة الرواتب فقط، بل إعادة هيكلة شاملة للنظام الضريبي ليكون أكثر عدالة، ومراجعة الدعم ليصل إلى مستحقيه، وضبط الأسعار عبر آليات رقابية حقيقية، المواطن لا يطلب المستحيل، بل يطلب أن يشعر أن الدولة تقف إلى جانبه، لا فوقه، وحين يشعر بذلك، سيعود إلى الإنتاج والعمل بثقة، وسيتحول من عبء على الاقتصاد إلى شريك في التنمية.

ثالثاً: حين تتقدم المحسوبية على الكفاءة… تتراجع الثقة قبل أن تتراجع الأرقام
لا توجد دولة في العالم محصنة ضد المحسوبية والواسطة، لكن الفرق بين دولة تتقدم ودولة تتراجع هو قدرتها على محاربة هذه الآفة، في الأردن، ما زال كثيرون يشعرون أن الفرص لا تُوزع وفق الكفاءة والاستحقاق، بل وفق العلاقات والمعارف، هذا الإحساس، حتى لو كان مبالغاً فيه أحياناً، كافٍ لتقويض الثقة، المطلوب هو نظام مؤسسي واضح: إعلان الوظائف، ومعايير موضوعية للاختيار، ورقابة حقيقية على التعيينات، وإفصاح عن تضارب المصالح، لا يجوز أن تظل بعض المناصب حكراً على فئات دون أخرى، ولا أن يُكافأ الولاء على حساب الأداء، الكفاءة ليست ترفاً، بل شرط بقاء، والدولة التي تختار مسؤوليها على أساس العلاقات، تدفع الثمن لاحقاً من جودة الخدمات، ومن ثقة المواطن، ومن سمعة المؤسسات، إصلاح هذا الملف هو أول خطوة نحو أي إصلاح حقيقي.

رابعاً: إقطاعيات النفوذ… حين يشعر المواطن أن الدولة ليست على المسافة ذاتها من الجميع
لم يعد مصطلح "الإقطاع" يقتصر على الصورة التاريخية القديمة، بل أصبح يظهر بأشكال حديثة: امتيازات حصرية، وامتيازات بلا منافسة، وفرص لا يحصل عليها إلا من يملك النفوذ، المواطن يرى أن هناك من يمر من فوق القانون، بينما يُحاسب هو على أصغر خطأ، هذا الشعور خطير، لأنه يحوّل الدولة من حامية للجميع إلى طرف في صراع، المطلوب هو تطبيق مبدأ "المنافسة العادلة" في كل شيء: في المشتريات الحكومية، وفي العقود، وفي الامتيازات، وفي الوظائف، هيئة النزاهة ومكافحة الفساد أعلنت أنها استردت أو منعت هدر نحو 79 مليون دينار خلال عام 2025، وأحالت 298 ملفاً إلى الادعاء العام، هذه أرقام إيجابية، لكنها تحتاج إلى أن تُترجم إلى ثقافة مؤسسية، لا إلى حملات موسمية، المطلوب أن يشعر المواطن أن القانون فوق الجميع، وأن أي تجاوز، مهما كان مصدره، سيواجه المساءلة.

خامساً: حكومة الإصلاح الوطني… تبدأ بالاقتصاد، لكنها لا تتوقف عنده
أي حكومة إصلاح حقيقية يجب أن تُختبر ببرنامج واضح، ونتائج ملموسة، وليس بالشعارات، الأولوية الأولى هي الاقتصاد: إجراءات عاجلة لخفض البطالة، ودعم المشاريع الصغيرة، وتحسين بيئة الأعمال، وإصلاح النظام الضريبي ليكون أكثر عدالة، لكن الاقتصاد وحده لا يكفي، يجب أن يتزامن ذلك مع إصلاح إداري حقيقي: رقمنة الخدمات، وتقليل البيروقراطية، وربط الرواتب بالإنتاجية، ومحاربة الفساد بلا استثناءات، المطلوب أيضاً إصلاح سياسي تدريجي: تعزيز دور الأحزاب، وتوسيع المشاركة الشبابية، وضمان استقلال القضاء، الحكومة التي لا تضع جدولاً زمنياً واضحاً لكل هذه الإصلاحات، ولا تُعلن مؤشرات قابلة للقياس، لا تستحق أن تُسمى "حكومة إصلاح"، والأهم: يجب أن تكون هناك مساءلة حقيقية، من ينجح يُكافأ، ومن يفشل يُحاسب، هذا هو الفرق بين حكومة تبحث عن البقاء، وحكومة تبحث عن الإنجاز.

سادساً: حكومة من وجوه وطنية نزيهة… لا من دائرة التكرار والمجاملات
لن يُصلح الأردن إلا بفريق حكومي جديد، يمتلك رؤية، وقادراً على التنفيذ، ومُحاسباً على النتائج، المطلوب ليس بالضرورة وجوهاً جديدة تماماً، بل وجوهاً قادرة على العمل بمعايير جديدة، نحتاج إلى اقتصاديين يفهمون الإنتاج والاستثمار، وإلى قانونيين يعرفون كيف يحمون المال العام، وإلى إداريين قادرين على تحويل الخطط إلى واقع، يجب أن يكون هناك حوار حقيقي مع البرلمان والنقابات والمجتمع المدني قبل تشكيل الحكومة، لا بعدها، يجب أن يُعلن كل وزير عن أهدافه ومؤشرات أدائه خلال أول مئة يوم، يجب أن تكون هناك مراجعة دورية، وإقالة من يثبت فشله، لا من يثير غضب المسؤولين، المواطن لا يطلب حكومة كاملة، بل يطلب حكومة صادقة، والحكومة الصادقة هي التي تعترف بأخطائها، وتصححها، وتُعلن عن ذلك للرأي العام.

سابعاً: المواطن الأردني أولاً… الوظيفة والراتب والسكن والعلاج ليست تفاصيل هامشية
يجب أن تبدأ أي حكومة إصلاح من الحياة اليومية للمواطن، ما الفائدة من خطط كبرى إذا لم يشعر المواطن بتحسن في راتبه، أو في خدمة الصحة، أو في تعليم أبنائه؟ الأولوية يجب أن تكون لخلق فرص عمل حقيقية، خاصة للشباب، المطلوب ليس فقط تشجيع الاستثمار، بل إزالة العقبات أمام المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل الحصول على التمويل، وتطوير التدريب المهني ليلائم سوق العمل، في الصحة، المطلوب توسيع التأمين الصحي، وتحسين جودة الخدمات، وتقليل الانتظار، في التعليم، المطلوب تطوير المناهج، وتحسين ظروف المعلمين، وربط التعليم بسوق العمل، في الإسكان، المطلوب تسهيل الحصول على قروض ميسرة، وتوسيع الخيارات السكنية، هذه ليست وعوداً انتخابية، بل شروط بقاء، المواطن الذي يرى أن الدولة تعمل من أجله، سيعمل من أجلها، والمواطن الذي يشعر أن الدولة تخلت عنه، سيفقد الثقة، وقد لا يعود إليها.

ثامناً: مكافحة الفساد ليست انتقاماً… بل استرداد للمال العام وهيبة القانون
لا تُبنى دولة قوية بالخطابات الغاضبة وحدها، ولا بملاحقة الناس وفق الشكوك، بل بمنظومة عدالة لا تستثني أحداً، مكافحة الفساد تبدأ من الوقاية: أنظمة مشتريات شفافة، ورقابة فعالة، وإفصاح عن المصالح، وتدقيق في العقود، وتستكمل بالتحقيق المهني المستقل، وإحالة ما يثبت بالأدلة إلى القضاء المختص، واسترداد الأموال العامة، وضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة، الأردن يحتاج إلى هيئة نزاهة قوية ومستقلة، وإلى قضاء سريع وعادل، وإلى إعلام حرّ مسؤول، المطلوب ليس "تصفية حسابات"، بل "إحقاق حق"، والفرق بين الاثنين واضح: الأول ينتج خوفاً، والثاني ينتج ثقة، والدولة التي تريد إصلاحاً حقيقياً، تحتاج إلى الثقة أكثر من أي شيء آخر.

تاسعاً: لا إصلاح بلا إدارة للأزمات… ولا أمل بلا خطة يمكن محاسبتها
تتعرض الدول لأزمات اقتصادية واجتماعية وإقليمية متداخلة، لكن الفارق بين دولة تتعثر ودولة تتجاوز المحن هو قدرتها على الاستعداد والتنسيق واتخاذ القرار في الوقت المناسب، لذلك، تحتاج حكومة الإنقاذ إلى مركز وطني فعال لإدارة الأزمات، يعمل بالتنسيق مع المؤسسات المختصة، ويعتمد بيانات موثوقة وسيناريوهات متعددة، ويحدد المسؤوليات وقنوات الاتصال وآليات الاستجابة، ويجب أن يتزامن ذلك مع خطة اقتصادية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى: في المدى القصير: حماية الفئات الأكثر تضرراً، ومراجعة أوجه الهدر، وتسريع المشروعات القادرة على توفير فرص عمل، وفي المدى المتوسط: تحسين بيئة الاستثمار والمنافسة، وتطوير التعليم المهني والإنتاج المحلي، ورفع كفاءة الإدارة العامة، وفي المدى الطويل: تقوية القاعدة الإنتاجية، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير قطاعات ذات قيمة مضافة، ولا بد من نشر لوحة مؤشرات دورية توضح ما تحقق وما تأخر ولماذا، وإخضاع الخطة للمراجعة البرلمانية والمجتمعية، أما الحديث عن انعدام الأمل، فلا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على مستقبل الأردن، فالأمل لا يُستعاد بالتفاؤل المجرد، بل حين يرى المواطن أن القرارات تتغير، والخدمات تتحسن، والفرص تتسع، وأن الدولة تتعلم من أخطائها وتصححها بشجاعة.


عاشراً: رسالتي إلى الأردن… يُمكننا أن نطرح مشروعاً، لكن الحكم للنتائج
يمكننا كأردنيين أن نطرح تصوراً لحكومة إصلاح وطني قوية اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، حكومة تجعل المواطن محور السياسات، وتتعامل مع المال العام بوصفه أمانة، وتواجه الفساد بالأدلة والقانون، وتختار المسؤولين على أساس الكفاءة والنزاهة، وتعلن أهدافها ومواعيدها وتقبل المحاسبة على نتائجها، لكنني لا أطلب من الأردنيين أن يكتفوا بتصديق الكلمات، ولا أزعم أن شخصاً واحداً قادر على معالجة كل التحديات دون مؤسسات قوية وفريق مؤهل وتعاون وطني واسع، إن المسؤولية الحقيقية تبدأ بعرض برنامج مفصل، وتحديد مصادر تمويله، وبيان أولوياته ومخاطره، ثم إخضاعه للنقاش والتقييم، الأردن لا يحتاج إلى صراع بين الدولة والمواطن، يحتاج إلى تجديد الثقة بينهما، وإلى إدارة ترى في المواطن شريكاً لا عبئاً، وفي الشباب طاقة لا مشكلة، وفي الرقابة ضمانة لا تهديداً، وفي القانون أساساً لا استثناءً، وأي مشروع حكومي يستحق الثقة يجب أن يجيب بوضوح عن ثلاثة أسئلة: ماذا سنُغيّر؟ كيف سنُغيّره؟ وكيف سيعرف الناس أننا أنجزنا ما وعدنا به؟

في الختام ... فإن الأردن لا تنقصه العقول ولا الخبرات ولا الإرادة الوطنية، ما يحتاجه هو أن تتقدم الكفاءة على المحسوبية، والنتائج على الشعارات، والعدالة على الامتيازات، والمصلحة العامة على الحسابات الضيقة، فالدولة القوية ليست تلك التي تطلب من مواطنيها المزيد من الصبر إلى ما لا نهاية، بل تلك التي تحوّل صبرهم إلى إنجاز، وتضحياتهم إلى مستقبل، وثقتهم إلى عقد وطني متجدد، وحكومة الإنقاذ الحقيقية لا تبدأ بكرسيّ رئيس الوزراء، بل تبدأ بقرار صادق: أن تكون كرامة الأردني وحقوقه وفرصه معيار النجاح الأول، وأن يبقى القانون فوق الجميع، وأن يصبح الأمل خطة عمل لا مجرد أمنية.