أخبار اليوم - في لحظة واحدة، قد يتحول منشور مجهول المصدر إلى حديث آلاف الأردنيين، وقد ينتقل مقطع مصور من بلد إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، ليُقدَّم على أنه حدث يقع الآن في الأردن. وبين رسالة تحمل عبارة «عاجل»، وأخرى تبدأ بـ«مصدر موثوق يؤكد»، يجد المواطن نفسه أمام سيل من المعلومات التي يصعب أحيانًا التمييز فيها بين الحقيقة والتضليل، خصوصًا عندما تتعلق بأمنه أو معيشته أو سلامة أسرته.
لم تعد الشائعة مجرد خبر كاذب يتناقله الناس ثم يتضح زيفه، بل أصبحت ظاهرة تستحق البحث في كيفية إنتاجها وانتشارها، والأسباب التي تمنحها القدرة على التأثير في الرأي العام، حتى عندما لا تستند إلى دليل واضح. وفي ظل تسارع الأحداث الإقليمية وانعكاساتها على الأردن، تزداد أهمية السؤال عن قدرة المجتمع على الوصول إلى المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، وعن المسؤولية التي تقع على عاتق الجهات الرسمية والمؤسسات الإعلامية ومستخدمي منصات التواصل.
وتكشف بيانات مرصد مصداقية الإعلام الأردني «أكيد» عن جانب من هذه الظاهرة؛ إذ رصد المرصد 89 إشاعة خلال شباط 2026، وفق ما نشرته وكالة الأنباء الأردنية «بترا» في الأول من آذار من العام نفسه. وشملت الإشاعات المرصودة مجالات متعددة، بينها السياسة والاقتصاد والمجتمع والأمن. وأشار التقرير إلى أن 87% من الإشاعات المرصودة ارتبطت بمصادر منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، مقابل 13% نُسبت إلى وسائل إعلام. وهذه الأرقام تعكس عينة الرصد خلال شهر محدد، ولا تمثل بالضرورة إجمالي الشائعات المتداولة في الأردن.
لكن الأرقام، على أهميتها، لا تجيب وحدها عن السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا تنتشر المعلومة غير الموثقة بهذه السرعة، ولماذا يصدقها بعض الناس قبل التحقق منها؟
قد تبدأ الحكاية بصورة حقيقية أُخرجت من سياقها، أو مقطع قديم أُعيد نشره باعتباره حدثًا جديدًا، أو رسالة صوتية مجهولة المصدر تتضمن ادعاءات لا يمكن التأكد منها. ومع إعادة التداول، تتحول المعلومة من مجرد ادعاء إلى رواية تبدو مألوفة، خصوصًا عندما يتلقاها المستخدم من أكثر من شخص يثق به. وهنا يصبح تكرار الخبر بديلًا زائفًا عن التحقق من صحته.
وتزداد خطورة هذه الآلية في أوقات الأزمات، حين يرتفع منسوب القلق ويبحث الناس عن إجابات سريعة. ففي غياب المعلومات الواضحة أو تأخر وصولها، قد تجد الروايات غير المؤكدة مساحة للانتشار، لا لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأنها تقدم تفسيرًا سريعًا لما لا يزال غامضًا. ومع ذلك، فإن تأخر التوضيح الرسمي لا يثبت صحة الشائعة، كما أن انتشارها الواسع لا يعني أن وراءها جهة منظمة؛ فإثبات التنسيق المتعمد يحتاج إلى أدلة مستقلة تتجاوز كثافة النشر أو تشابه المنشورات.