أخبار اليوم - تالا الفقيه - نجح الإعلام الأمني في مديرية الأمن العام في اجتياز واحد من أصعب الاختبارات الإعلامية والأمنية التي شهدها الأردن، خلال الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة حمود بمحافظة الكرك، وما أعقبها من عمليات أمنية مكثفة انتهت بالوصول إلى منفذي الجريمة، وسط حالة من الصدمة والغضب الشعبي والترقب الواسع لمجريات التحقيقات، ما وضع الإعلام الأمني أمام مسؤولية استثنائية في إدارة تدفق المعلومات والمحافظة على ثقة المواطنين بالمصدر الرسمي.
وبرز دور الإعلام الأمني في التعامل مع الأزمة من خلال الجمع بين سرعة إيصال المعلومات الرسمية، والمحافظة على سرية الإجراءات الأمنية، والتعامل مع الشائعات والمعلومات المضللة، في وقت كانت فيه منصات التواصل الاجتماعي تشهد تداولاً واسعاً للأخبار والتكهنات بشأن الجريمة وهوية مرتكبيها، الأمر الذي جعل إدارة المعلومة جزءاً أساسياً من إدارة الأزمة نفسها، وليس مجرد نشاط إعلامي مرافق للعمل الأمني.
ومنذ الساعات الأولى للجريمة، حرصت مديرية الأمن العام على إطلاع الرأي العام على المعلومات المتاحة بشأن أعداد الشهداء والمصابين وتطورات التحقيق، مع تحديث البيانات تبعاً للمعلومات التي كانت تصل إلى الأجهزة المختصة، وهو ما أسهم في توفير مرجعية رسمية للمعلومات في ظل الظروف الاستثنائية التي رافقت الحادثة، وأتاح لوسائل الإعلام التعامل مع الوقائع استناداً إلى بيانات صادرة عن جهة مختصة.
ولعل أبرز ما ميّز الأداء الإعلامي الأمني خلال أحداث حمود أنه تعامل مع الجريمة باعتبارها أزمة وطنية ذات أبعاد أمنية وإنسانية واجتماعية وإعلامية متداخلة، وليست مجرد حادثة جنائية تستدعي إصدار بيان أولي وانتظار نتائج التحقيقات، إذ أدركت المؤسسة الأمنية أن حجم الجريمة وطبيعة المكان المستهدف وعدد الضحايا وحالة الغضب الشعبي تفرض حضوراً إعلامياً مسؤولاً، قادراً على إدارة الأسئلة المتلاحقة التي شغلت المواطنين.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة نجاح الإعلام الأمني من خلال ثلاث مراحل رئيسية؛ بدأت بإدارة الصدمة الأولى وتقديم المعلومات الأساسية، ثم مواكبة عمليات البحث والملاحقة دون التأثير في سريتها، وانتهت بإعلان نتائج العملية الأمنية وتقديم تفاصيلها للرأي العام، وهي مراحل أظهرت أهمية التدرج في الإفصاح عن المعلومات وفقاً لتطور الوقائع على الأرض.
ففي المرحلة الأولى، كان التحدي الأكبر يتمثل في سرعة الإعلان عن وقوع الجريمة وتحديد طبيعتها وتقديم المعلومات الأولية بشأن الضحايا والمصابين، في وقت كانت فيه الأخبار والصور والمقاطع المصورة تنتشر بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما جعل صدور المعلومات الرسمية ضرورة للحد من الفراغ الإعلامي الذي غالباً ما يشكل بيئة خصبة للشائعات.
وقد أسهمت البيانات الأولية في وضع إطار رسمي للحدث، وتحديد المعلومات التي يمكن التعامل معها باعتبارها مؤكدة، مع إبقاء التفاصيل المرتبطة بالتحقيقات ضمن نطاق الجهات المختصة، وهو أسلوب يعكس إدراكاً لأهمية الفصل بين المعلومات التي يحتاج المواطن إلى معرفتها فوراً، وتلك التي قد يؤدي نشرها المبكر إلى إرباك التحقيقات أو التأثير في عمليات الملاحقة.
أما المرحلة الثانية، فكانت الأكثر حساسية من الناحية الإعلامية، إذ تزامنت مع عمليات البحث عن المنفذين وجمع الأدلة وتتبع تحركاتهم، في ظل ضغط شعبي متزايد لمعرفة هوياتهم وأماكن وجودهم وموعد القبض عليهم، الأمر الذي فرض على الإعلام الأمني معادلة دقيقة بين الاستجابة لحاجة الجمهور إلى المعلومات والمحافظة على سرية العمل الميداني.
وهنا برزت أهمية ضبط توقيت الإعلان عن المعلومات، وعدم الانجرار وراء التسريبات أو التكهنات المتداولة، إذ إن السبق الإعلامي في مثل هذه الظروف قد يتحول إلى عامل خطر إذا كشف معلومات تتعلق بتحركات القوات الأمنية أو مسارات البحث أو المواقع المحتملة للمطلوبين.
ولم يكن التعامل مع تدفق المعلومات قائماً على نشر كل ما يتوافر من تفاصيل فور الحصول عليه، بل على اختيار المعلومات التي يمكن إعلانها دون الإضرار بالتحقيقات، وهو ما يمثل أحد المبادئ الأساسية في الإعلام الأمني الاحترافي، حيث لا تقاس سرعة الاستجابة بعدد البيانات وحده، وإنما بقدرة المؤسسة على تقديم المعلومة الصحيحة في التوقيت الذي يحقق المصلحة العامة.
وشكّل حضور مدير الأمن العام في المؤتمرات الصحفية، إلى جانب المسؤولين الحكوميين، جانباً مهماً من إدارة المشهد الإعلامي، إذ أتاح تقديم الرواية الأمنية بصورة مباشرة، وتوضيح طبيعة الإجراءات المتخذة لملاحقة المنفذين، بما عزز حضور المؤسسة الأمنية في مواجهة التساؤلات التي شغلت الرأي العام.
كما منح هذا الحضور الرسائل الإعلامية ثقلاً مؤسسياً، باعتبار أن المعلومات كانت تصدر عن القيادة الأمنية المسؤولة عن إدارة العمليات، وهو ما يعزز مصداقية الخطاب الرسمي، ويحد من تضارب التفسيرات التي قد تنشأ عند تعدد المصادر أو غياب المرجعية الواضحة.
وفي المرحلة الثالثة، التي أعقبت نجاح الأجهزة الأمنية في الوصول إلى المنفذين، انتقل الإعلام الأمني من إدارة المعلومات المرتبطة بعمليات الملاحقة إلى تقديم نتائج العمل الأمني وتفسير الإجراءات التي اتخذت، وهي مرحلة لا تقل أهمية عن المرحلتين السابقتين، لأن الجمهور لم يكن ينتظر الإعلان عن القبض على الجناة فحسب، بل كان يريد معرفة كيف جرى الوصول إليهم، وما الذي قامت به الأجهزة الأمنية خلال الأيام التي أعقبت الجريمة.
وجاء البيان الصادر عن مديرية الأمن العام فجر الاثنين 26 تشرين الأول، ليقدم معلومات واضحة بشأن إلقاء القبض على الإرهابيين الثلاثة بعد اشتباك مسلح داخل منزل مهجور، وضبط أسلحة وذخائر، دون وقوع إصابات في صفوف القوة الأمنية، ما أتاح لوسائل الإعلام نقل تفاصيل الإنجاز استناداً إلى مصدر رسمي مباشر.
وشكّل المؤتمر الصحفي الذي عقد الاثنين، بمشاركة وزير الداخلية ووزير الاتصال الحكومي ومدير الأمن العام، محطة مهمة في استكمال الرواية الرسمية، بعدما عرض اللواء عبيدالله المعايطة تفاصيل المسارين الجنائي والاستخباراتي والميداني، وكيفية تتبع تحركات المنفذين واستخدام الدوريات والطائرات المسيّرة وصولاً إلى تحديد مكانهم وإلقاء القبض عليهم.
وأسهم هذا المستوى من التفاصيل في الانتقال بالخطاب الإعلامي من البيانات الأولية إلى الشرح والتفسير، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على الإعلان عن نتيجة العملية، بل أصبح متعلقاً بتوضيح حجم الجهد الذي بُذل، وطبيعة التنسيق بين الجهات المختصة، وكيفية تحويل المعلومات والتحقيقات إلى إجراءات ميدانية انتهت بالوصول إلى المنفذين.
ومن أبرز جوانب النجاح في إدارة تدفق المعلومات أن الإعلام الأمني حافظ على التدرج في الإعلان عن التفاصيل، بحيث جاءت البيانات مرتبطة بمراحل تطور القضية، من وقوع الجريمة وتحديد حصيلة الضحايا، إلى استمرار التحقيقات، ثم إعلان القبض على المنفذين، وصولاً إلى تقديم التفاصيل المتعلقة بالعملية الأمنية.
ويعكس هذا التدرج أهمية وجود تسلسل منطقي في الرسائل الإعلامية، يسمح للجمهور بفهم تطورات القضية دون إغراقه بمعلومات غير مكتملة أو متضاربة، كما يمنح المؤسسات الصحفية فرصة بناء تغطياتها على وقائع معلنة يمكن نسبتها إلى مصدر رسمي.
ومن الناحية المهنية، فإن إدارة تدفق المعلومات خلال الأزمات الكبرى تقوم على أربعة عناصر أساسية، تتمثل في سرعة الاستجابة، ودقة البيانات، ووضوح المصدر، واستمرارية التحديث، وقد أظهرت تجربة حمود حضوراً واضحاً للعناصر الثلاثة الأولى، فيما تظل استمرارية التحديثات خلال الفترات الفاصلة بين البيانات والمؤتمرات جانباً مهماً يستحق المراجعة والتقييم.
فليس المطلوب من الإعلام الأمني أن يكشف جميع التفاصيل في كل لحظة، وإنما أن يحافظ على صلته بالجمهور، وأن يوضح ما يمكن إعلانه وما لا يمكن الإفصاح عنه في تلك المرحلة، لأن غياب المعلومات لفترات طويلة قد يفتح المجال أمام تداول روايات غير دقيقة، حتى عندما تكون المؤسسة الأمنية منشغلة بعمليات ميدانية حساسة.
كما برز نجاح الإعلام الأمني في عدم الانجرار وراء المعلومات المتداولة بشأن القبض على المنفذين قبل الإعلان الرسمي، وهو ما ساعد على ترسيخ أهمية التحقق من المعلومات، وعدم التعامل مع التسريبات والتكهنات باعتبارها حقائق، خاصة في قضية كانت تحظى بمتابعة شعبية وإعلامية واسعة.
ولم يقتصر دور الإعلام الأمني على نقل التطورات الميدانية، بل امتد إلى حماية السلم المجتمعي من خلال التحذير من المنشورات المسيئة للشهداء والمصابين، ومتابعة المحتوى الذي يتضمن تحريضاً أو معلومات قد تؤثر في سير التحقيقات، في ظل حساسية الجريمة ومحاولات استغلالها لإثارة الانقسام.
وفي هذا الجانب، تعامل الإعلام الأمني مع تحدٍ إضافي يتعلق بطبيعة الجريمة التي وقعت داخل دار عبادة، وما يمكن أن يترتب على استغلالها من تداعيات اجتماعية، الأمر الذي جعل الخطاب الرسمي مطالباً بالموازنة بين إدانة الإرهاب وتحديد مسؤولية مرتكبيه، وبين المحافظة على وحدة المجتمع وعدم السماح بتوظيف الجريمة لإثارة الانقسام.
ومن الجوانب اللافتة في الأداء الإعلامي الأمني، المحافظة على خطاب مؤسسي واضح، يؤكد أن الجريمة ارتكبها أشخاص يحملون فكراً تكفيرياً متطرفاً، ولا يمثلون أبناء الكرك أو أي مكون من مكونات المجتمع الأردني، وهو توجه أسهم في دعم الخطاب الوطني الرافض للتطرف ومنع تحميل الجريمة أبعاداً اجتماعية أو دينية تتجاوز مسؤولية مرتكبيها.
وعلى مستوى العلاقة مع المواطنين، حظي أداء الإعلام الأمني باهتمام شعبي واسع، برز في متابعة البيانات الرسمية وتداولها وانتظار صدورها، في ظل حاجة المواطنين إلى معلومات موثوقة تطمئنهم إلى سير الإجراءات الأمنية، وتوضح لهم ما يجري بعيداً عن الروايات غير المؤكدة.
كما برزت إشادات شعبية بأهمية المعلومات الرسمية ودورها في توضيح تطورات القضية، خصوصاً بعد الإعلان عن القبض على المنفذين، حيث ارتبط تقدير المواطنين للإعلام الأمني بقدرته على نقل نتائج الجهد الميداني بصورة واضحة، وتقديم تفاصيل تساعد على فهم ما جرى خلال فترة الملاحقة.
ومن منظور المختصين في الإعلام وإدارة الأزمات، تقدم تجربة حمود حالة مهمة لتحليل العلاقة بين سرعة النشر ودقة المعلومة، إذ إن نجاح الاتصال الأمني لا يعني بالضرورة الإعلان الفوري عن كل معلومة، وإنما القدرة على تحديد توقيت النشر ومضمونه بما يحافظ على المصداقية ويمنع التأثير في الإجراءات الأمنية.
كما تبرز التجربة أهمية وجود مصدر رسمي واضح ومحدد للمعلومات، خصوصاً عندما تتعدد الجهات المشاركة في إدارة الأزمة، لأن توحيد المرجعية الإعلامية يسهم في تقليل احتمالات التضارب، ويمنح الصحفيين والجمهور قدرة أكبر على التمييز بين المعلومات المؤكدة والأخبار المتداولة دون سند رسمي.
وعلى الصعيدين العربي والدولي، حظيت التصريحات والبيانات الصادرة عن مديرية الأمن العام بمتابعة إعلامية واسعة، مع اهتمام بتفاصيل الجريمة وعمليات الملاحقة والقبض على المنفذين، ما أبرز أهمية الإعلام الأمني بوصفه مصدراً رسمياً للمعلومات المتعلقة بالقضية وتطوراتها.
وشكّل هذا الاهتمام اختباراً إضافياً لقدرة الإعلام الأمني على تقديم رواية واضحة وقابلة للنقل إلى الجمهور خارج الأردن، حيث لم تعد البيانات موجهة للمواطن المحلي وحده، بل أصبحت جزءاً من التغطية الإعلامية العربية والدولية، وهو ما يضاعف أهمية الدقة في الصياغة وتحديد الوقائع وتجنب المعلومات غير المؤكدة.
وتكمن أهمية هذه المتابعة في أن الإعلام الأمني أصبح مصدراً أولياً للمعلومات التي تبني عليها المؤسسات الإعلامية تغطياتها، الأمر الذي يمنحه دوراً يتجاوز إصدار البيانات إلى التأثير في كيفية فهم الحدث وتفسير تطوراته على المستويين المحلي والخارجي.
كما أظهر الإعلام الأمني أهمية التنسيق بين الجهات الرسمية في إدارة الأزمات الكبرى، من خلال التكامل بين مديرية الأمن العام ووزارة الداخلية ووزارة الاتصال الحكومي، بما أتاح تقديم المعلومات المتعلقة بالتحقيقات والإجراءات الأمنية والقرارات الرسمية ضمن إطار مؤسسي واحد.
وفي قراءة أشمل للأداء، يمكن القول إن الإعلام الأمني نجح في المحافظة على حضور المؤسسة الأمنية في المشهد العام، وفي توفير رواية رسمية متدرجة للأحداث، وفي مواكبة نتائج العمليات الميدانية دون تحويل البيانات إلى مصدر للمعلومات التي قد تعرّض التحقيقات للخطر.
غير أن هذا النجاح لا يلغي أهمية تطوير آليات التواصل المستمر مع المؤسسات الصحفية، وتحديد مواعيد مناسبة للمؤتمرات، وتوفير قنوات اتصال واضحة مع الصحفيين، وتعزيز سرعة الاستجابة للاستفسارات، لأن الإعلام الأمني الاحترافي يقوم على الشراكة مع وسائل الإعلام في إيصال المعلومات الصحيحة، وليس على الاكتفاء بإصدار البيانات الرسمية.
وتكشف تجربة حمود أن التحدي الحقيقي أمام الإعلام الأمني لم يكن في الإعلان عن الجريمة أو نتائج التحقيقات فقط، بل في إدارة الفترة الفاصلة بين وقوع الحدث والوصول إلى المنفذين، وهي الفترة التي ترتفع فيها حاجة الجمهور إلى المعرفة، وتتزايد خلالها احتمالات انتشار الشائعات والتكهنات، وتصبح كل معلومة رسمية ذات تأثير مباشر في اتجاهات الرأي العام.
ومن هنا، فإن القيمة الأبرز للأداء الإعلامي الأمني تمثلت في إدراك العلاقة بين المعلومة والأمن، وأن الإعلان المدروس عن الوقائع يمكن أن يسهم في حماية العمليات الميدانية، والمحافظة على الثقة بالمؤسسات، والحد من الارتباك الذي يرافق الأزمات الكبرى.
ورغم أن التجربة تستدعي مراجعة مستمرة لآليات التواصل مع الصحفيين وسرعة توفير المعلومات وتنظيم المؤتمرات الصحفية، فإن الأداء الإعلامي الأمني خلال هذه الأزمة قدم نموذجاً مهماً للتكامل بين العمل الأمني الميداني والاتصال المؤسسي، وأكد أن المعلومة الدقيقة في توقيتها المناسب تشكل جزءاً أساسياً من إدارة الأزمات وحماية الاستقرار المجتمعي.
وبذلك، لم يكن الإنجاز الذي تحقق في الكرك مقتصراً على الوصول إلى الإرهابيين وإلقاء القبض عليهم، بل رافقه أداء إعلامي أمني أسهم في توضيح الحقائق، وتقديم الرواية الرسمية، ومواجهة التضليل، وإبراز احترافية الأجهزة الأمنية، في واحدة من أكثر القضايا التي هزت وجدان الأردنيين خلال السنوات الأخيرة.