توسع "الخط الأصفر" .. خرق إسرائيلي ممنهج يُفرغ اتفاق وقف إطلاق النار من مضمونه

mainThumb
توسع "الخط الأصفر".. خرق إسرائيلي ممنهج يُفرغ اتفاق وقف إطلاق النار من مضمونه

24-01-2026 10:18 AM

printIcon

أخبار اليوم - على الرغم من الدخول الرسمي في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تكشف الوقائع الميدانية عن خرقٍ إسرائيلي ممنهج للاتفاق الذي أعلن عنه برعاية أمريكية، لا عبر إعلان صريح بالانسحاب منه، بل من خلال إعادة إنتاج السيطرة العسكرية بأساليب ملتفة تُفرغ الاتفاق من مضمونه.

فبدل الالتزام بحدود وقف إطلاق النار ومتطلبات المرحلة الثانية، يمضي جيش الاحتلال الإسرائيلي في فرض وقائع جديدة على الأرض، تُعيد رسم خطوط السيطرة وتُحول الاتفاق من إطار لإنهاء حرب الإبادة إلى غطاء لإدارة الصراع.

وفي هذا السياق، أظهرت صور توسيع جيش الاحتلال نطاق سيطرته داخل قطاع غزة عبر نقل كتل إسمنتية صفراء ترسم ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" إلى عمق أحياء مأهولة، بالإضافة إلى تدمير عشرات المباني خارج خط الهدنة.

وتُظهر الصور، التي نشرتها وكالة "رويترز"، أن جيش الاحتلال وضع كتلا إسمنتية صفراء في مناطق تبعد عشرات، وأحيانا مئات الأمتار، داخل أراضٍ خارج حدود الخط الأصفر، كما أقام ما لا يقل عن 6 تحصينات لتمركز قواته قرب الخط.

ويبرز هذا التوسع بشكل أوضح في حي التفاح شرقي مدينة غزة، وهو حي تاريخي تحوّل إلى منطقة مدمّرة تنتشر فيها أنقاض المباني والركام جراء القصف الإسرائيلي على مدى عامين.

من جانبه، أكد المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم أن الاحتلال يستمر في إزاحة الخط الأصفر باتجاه الغرب، في انتهاك واضح وكبير لاتفاق وقف إطلاق النار، محذرًا من أن تلك الانتهاكات تحشر أهالي قطاع غزة في شريط ضيق غرب القطاع تقل مساحته بنحو 30%.

هندسة الجغرافيا

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي نضال أبو زيد أن ما يجري يمثل تناقضًا صارخًا بين المسار السياسي والمسار العسكري، موضحًا أن الاحتلال، رغم اضطراره للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، يواصل التصعيد على الأرض، منتهكًا ليس فقط المرحلة الأولى بل الثانية أيضًا.

ويصف أبو زيد لـ "فلسطين أون لاين"، هذه الخطوات بأنها محاولة لـ"هندسة الجغرافيا" في قطاع غزة، عبر توسيع مناطق السيطرة تحت مسمى "الخط الأصفر".

وبحسب أبو زيد، فإن الاحتلال كان يسيطر سابقًا على نحو 52% من مساحة قطاع غزة، إلا أن التمدد الجديد، لا سيما في المناطق الواقعة بين جباليا والشجاعية – وهي مناطق حاكمة عسكريًا – رفع نسبة السيطرة إلى ما يقارب 61%، مشيرا إلى أن خطورة هذه المناطق تكمن في أنها تُشرف ناريًا على مساحات واسعة من القطاع، ما يمنح الاحتلال أفضلية ميدانية دائمة حتى في ظل وقف إطلاق النار.

10_news_1740818402.jpg

الخبير العسكري والاستراتيجي نضال أبو زيد


ويشير إلى أن هذا التمدد لا يهدف إلى استئناف القتال التقليدي، بل إلى إعادة تهيئة مسرح عمليات جديد يقوم على ما يُعرف بـ"قتال الإنابة"، عبر ميليشيات محلية مدعومة من الاحتلال، تنطلق من المنطقة الصفراء وتنفذ عمليات بتوجيه استخباري إسرائيلي مباشر، في محاولة لتقليل الكلفة السياسية والعسكرية لأي تصعيد مستقبلي.

معادلة إسرائيلية

وفي موازاة التوسع الميداني، يؤكد أبو زيد أن الاحتلال يعمل على تفريغ المرحلة الثانية من الاتفاق من مضمونها السياسي، من خلال منع لجنة التكنوقراط من دخول غزة والقيام بواجباتها، ما يعكس توجهًا إسرائيليًا لفرض معادلة "إدارة بلا سيادة، وتهدئة بلا حل"، تُبقي القطاع تحت السيطرة غير المباشرة دون تحمّل تبعات الاحتلال الكاملة.

ويشير إلى تنفيذ المقاومة كمينًا استهدف عناصر من ميليشيات مدعومة من الاحتلال، أسفر عن مقتل أحدهم وفرار اثنين إلى داخل "الخط الأصفر"، مؤكدًا أن هذا الحدث يكشف تحول الخط الأصفر من منطقة عازلة إلى قاعدة عمليات ميدانية، تُستخدم لإطلاق هذه الميليشيات نحو مناطق وجود المقاومة.

وعن التحصينات التي يبنيها الاحتلال قرب "الخط الأصفر"، أوضح الخبير العسكري أن الاحتلال كان يسيطر سابقًا على نحو 205 "بلوكات" سكنية كانت تقع ضمن منطقة تصنف عسكريًا كـ"منطقة تماس"، إلا أن هذا المنطقة انتقلت عمليًا من كونها منطقة تماس إلى منطقة احتلال مباشر، وباتت خاضعة للرصد والسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

وبحسب أبو زيد، فإن هذه الخطوات تشير إلى أن الاحتلال يعمل على تهيئة مسرح عمليات جديد، ليس لقتال القوات التقليدية التي كانت موجودة طوال 733 يومًا قبل وقف إطلاق النار، بل لاستخدام هذه المناطق كنقاط انطلاق لميليشيات مسلحة مدعومة من الاحتلال، تعمل ضمن جهد استخباري يحدده جيش الاحتلال.

ويخلص الخبير العسكري إلى أن التمدد الأخير الذي نفّذه الاحتلال عبر إزاحة "البلوكات الصفراء" يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا الميدانية في قطاع غزة، لا سيما في منطقتي الشجاعية وجباليا. ويوضح أن هذه المناطق تُصنَّف عسكريًا ضمن ما يُعرف بـ"المناطق الحاكمة" أو "المسيطرة"، والتي تمنح من يسيطر عليها أفضلية ميدانية حاسمة.

ويضيف أبو زيد أنه رغم عدم وجود مرتفعات عالية في قطاع غزة، إلا أن هذه النقاط توفر ميادين مراقبة فعّالة وميادين رمي جيدة، تُمكن قوات الاحتلال من الإشراف الناري على مساحات واسعة من القطاع، إلى جانب توفير الإسناد الميداني للميليشيات المدعومة من الاحتلال، والتي تنطلق من المنطقة الصفراء لتنفيذ عملياتها.

ومنذ الإعلان عن دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، يواصل جيش الاحتلال عمليات النسف والتدمير لما تبقى من مبان خلف الخط الأصفر، بالإضافة إلى توسيع نطاق الخط الأصفر إلى عمق القطاع.

كما تعيش العائلات التي عادت إلى منازلها المدمرة حالة من عدم الاستقرار والخوف بفعل استمرار القصف المدفعي وإطلاق النار من الآليات العسكرية الإسرائيلية في المناطق الشرقية للقطاع.

المصدر / فلسطين أون لاين