حين يقرأ القائد الأعلى المستقبل .. إعادة هندسة الجيش العربي من قوة تقليدية إلى منظومة ردع ذكية متعددة الأبعاد

mainThumb
حين يقرأ القائد الأعلى المستقبل...إعادة هندسة الجيش العربي من قوة تقليدية إلى منظومة ردع ذكية متعددة الأبعاد

25-01-2026 03:07 PM

printIcon
التوقيت الذي لا يخطئ: قراءة المستقبل لا إدارة اللحظة
لم تأتِ رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في توقيت اعتيادي، بل في لحظة إقليمية تتسم بتآكل اليقين، وتسارع التهديدات وتحوّل طبيعة الصراع من حروب حدود إلى صراعات مركّبة بلا خطوط تماس واضحة، هنا لا تُدار الجيوش بعقلية "الجاهزية الكلاسيكية"، بل بعقلية الاستباق، الرسالة الملكية لم تُكتب لتوصيف واقع قائم، بل لتغيير مساره قبل أن يفرض نفسه، هذه ليست إعادة تنظيم إدارية، بل إعادة تعريف لوظيفة القوة العسكرية في دولة تقع جغرافياً في قلب الاضطراب، وسياسياً في بؤرة التوازن، من يقرأ الرسالة بعمق يدرك أنها انتقال من سؤال: كيف نقاتل؟ إلى سؤال أخطر: كيف نمنع القتال قبل أن يبدأ؟ وهنا يبدأ الردع الحقيقي، لا في عدد الألوية، بل في وضوح الرؤية، وسرعة التكيف، وقدرة المؤسسة العسكرية على التحول دون أن تفقد تماسكها أو عقيدتها الوطنية.

من جيش تقليدي إلى منظومة ردع: التحول العقائدي الصامت
أخطر ما في الرسالة الملكية أنها هادئة لغوياً، لكنها زلزالية في مضمونها العقائدي، الحديث عن "تحول بنيوي" ليس توصيفاً فضفاضاً، بل إقرار بأن نموذج الجيش التقليدي، القائم على الكثافة العددية والجاهزية النمطية، لم يعد كافياً في بيئة عمليات هجينة، جلالة الملك لا يطلب تحديث معدات، بل إعادة هندسة التفكير العسكري: كيف تُبنى القوة، وكيف تُستخدم، ومتى تُستعرض دون إطلاق رصاصة، التحول إلى "قوات رشيقة، مرنة، نوعية" يعني تقليص الهدر، وتعظيم الأثر، وربط كل جندي وكل منظومة بسيناريو تهديد حقيقي، هذا هو جوهر الردع الذكي: أن يعرف الخصم أن كلفة الاختبار ستكون أعلى من أي مكسب محتمل، الرسالة هنا ليست موجهة للداخل فقط، بل للخارج أيضاً: الأردن لا ينتظر شكل الحرب القادمة، بل يعيد تشكيل جيشه ليكون جاهزاً لها قبل أن تتبلور.

الردع متعدد الأبعاد: حين تصبح التكنولوجيا جبهة قتال
أحد أهم مفاصل الرسالة الملكية هو الانتقال الواضح نحو تعدد أبعاد الردع، لم تعد القوة تُقاس بالمدفع والدبابة فقط، بل بالسيطرة السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة المسيّرة، والقدرة على حماية مراكز الثقل المعلوماتية قبل المادية، إدراج العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية كأولوية قُصوى، والاعتراف بأن الحروب الحديثة تبدأ بضربة رقمية قبل أي تحرك ميداني، هنا يضع جلالة الملك الجيش العربي في قلب معادلة الجيوش الذكية عالمياً، لا على هامشها، الرسالة تفهم أن التفوق لا يعني السيطرة على كل المجالات، بل تحقيق تفوق تنافسي نوعي في مجال أو أكثر، وهو منطق عسكري حديث يوازن بين الإمكانات والتهديدات، هذه ليست سباق تسلح، بل سباق عقول، حيث تصبح المعرفة، والتكامل، وسرعة القرار عناصر الردع الأهم.

القيادة والسيطرة واللوجستيات: العمود الفقري للحرب الحديثة
في العمق، تعي الرسالة الملكية أن أي ردع ذكي بلا منظومة قيادة وسيطرة واتصالات فعّالة، هو ردع هش، لذلك جاء التركيز واضحاً على بناء منظومة (C4ISR) آمنة وموثوقة ومتكاملة، قادرة على العمل تحت الضغط، وفي بيئات تشويش، ومع تعدد الفاعلين، الأهم من ذلك هو إدراك جلالة الملك أن اللوجستيات لم تعد وظيفة خلفية، بل عنصر حاسم في الاستدامة العملياتية، تعزيز الإسناد اللوجستي، وتكامل خطوط الإمداد، وبناء قوات احتياط مدروسة، يعني أن الجيش لا يفكر في الضربة الأولى فقط بل في اليوم الثلاثين والستين، والمئة، هذه رؤية قائد يفهم أن المعركة الحديثة تُكسب بالاستمرار، لا بالمفاجأة وحدها، وأن الجيوش التي تتعب أولاً هي التي تخسر، مهما كانت قوية في بدايات الاشتباك.

تكامل القوة الوطنية: الجيش ليس جزيرة معزولة
من أهم ما ورد في الرسالة الملكية هو الدعوة إلى التكامل العملياتي بين القوات المسلحة وحرس الحدود والدرك والشرطة الخاصة، هذا ليس تفصيلاً إدارياً، بل تحول في مفهوم الأمن الوطني، التهديدات الحديثة لا تحترم الفصل بين العسكري والأمني، ولا بين الداخل والخارج، جلالة الملك يوجّه نحو منظومة أمن وطني متكاملة، تعمل بعقيدة واحدة، وتخطيط مشترك، واستجابة موحدة، هذا التكامل يعزز الردع، ويقلل فجوات الاستجابة، ويرسل رسالة واضحة: الدولة الأردنية تعمل كجسد واحد عند التهديد، في هذا السياق، تصبح القوات المسلحة مركز ثقل، لكنها ليست وحدها في الميدان، بل تقود منظومة أوسع تحمي الاستقرار الوطني بمرونة واحتراف.

الصناعات الدفاعية والبحث والتطوير: الاستقلال كقيمة استراتيجية
الحديث عن إعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير ليس اقتصادياً فقط بل سيادي بامتياز، ففي عالم تتقاطع فيه سلاسل التوريد مع السياسة، يصبح امتلاك قدرة بحث وتطوير دفاعية وطنية عنصر ردع بحد ذاته، فجلالة الملك لا يطلب تصنيع سلاح فقط بل بناء عقل صناعي-عسكري قادر على الابتكار والتكيّف وتلبية الاحتياجات الوطنية دون ارتهان، هذا التوجه يفتح الباب أمام شراكات ذكية ويحوّل الأردن من مستهلك للتكنولوجيا إلى شريك في إنتاجها، هنا يُفهم الردع كمنظومة مستدامة، لا كصفقة شراء، وكاستثمار في العقول قبل المعدات.

رسالة إلى الداخل والخارج
في الختام هذه الرسالة الملكية ليست وثيقة عسكرية فحسب، بل إعلان نُضج استراتيجي لدولة تعرف حجمها، وتفهم بيئتها، وتبني قوتها بوعي لا بانفعال، هي رسالة طمأنة للداخل بأن الجيش العربي يتجدد دون أن يفقد هويته، ورسالة ردع للخارج بأن الأردن لا يُفاجأ بل يستعد، وحين يقرأ القائد الأعلى المستقبل فهو لا يتنبأ لا بل يُهيئ دولته لتكون جاهزة لأي احتمال، إعادة هندسة الجيش العربي ليست خياراً، بل ضرورة وجودية تُدار بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة، ومن يقرأ هذه الرسالة بعمق، يدرك أن الأردن لا يرفع صوته… لكنه يرفع جاهزيته، وتلك هي أخطر وأذكى لغات القوة.


news image
news image