بقلم الدكتورة دانيه بشير عربيات
في جريمة هزت الوجدان قبل أن تهز الشارع قتلت فتاة على يد شقيقها..في حادثة اريد لها كغيرها أن تختصر بتبرير جاهز: الإدمان..وكأن الإدمان صار بطاقة إعفاء أخلاقي…أو ذريعة قانونية..أو شماعة نعلق عليها أفظع أشكال العنف الإنساني…
لكن الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح:
لا عذر تحت بند الإدمان…
فالسلوك الإجرامي وخصوصا القتل لا يولد من مادة مخدرة وحدها….المخدر قد يخفف الكوابح احيانا وقد يسرع الانفجار قي احيانا اخرى لكنه لا يزرع الدافع من العدم…… وهذا هو المهم فالحقيقه النفسية تقول ما حدث ليس نتاج لحظة فقدان وعي فقط…هو نتيجة بنية نفسية مسبقة: غضب متراكم…شعور بالسيطرة…حقد مكتوم…واستعداد داخلي للعنف….هذه العناصر لا تصنعها المخدرات وانما هي تكشفها…
الأخطر من الجريمة نفسها هو طريقة تعامل المجتمع معها
ففي كل مرة تقتل او تؤذى فيها امرأة على يد قريب… يبدأ البحث المحموم عن مبررات تمس الضحية لا الجاني: سلوكها…اختياراتها…حياتها الخاصة... وكأن المجتمع لا يزال يرى في الأنثى مشروع إدانة…وفي الجاني مشروع تبرير….هذه الثقافة لا تقل إجراما عن الفعل ذاته لأنها تمنحه غطاء معنويا…وتعيد إنتاجه بطرق متعددة
لسنا أمام حادثة فردية معزولة… نحن أمام نمط متكرر…نمط يستدعي وقفة حاسمة…لا بيانات شجب عابرة…ولا تعاطفا موسميا سرعان ما يخبو…ما نحتاجه هو قرار مجتمعي وقانوني واضح: بتغليظ العقوبات على جرائم القتل الأسري…وخصوصا تلك التي ترتكب بحق النساء…دون أي تخفيف أو أعذار ملتوية….
لكن ما يجب قوله اليوم ايضا وبصوت اعلى .. ان المشكلة اصبحت عنف جسدي وعنف نفسي واجتماعي اعمق... لقد بات واضحا ان بعض الناس لم يعودوا يحتملون رؤية النجاح..ولا يطيقون الفرح حين يخرج من الدائرة التي يفترض أنها الأكثر أمانا: العائلة في مثل هذه الحالات... كأن الفرح صار استفزازا..والنجاح تهديدا…والتميز جريمة غير معلنة…
كثير من الجرائم التي ترتكب داخل البيوت لا تكون بدافع الانفعال اللحظي.. بل بدافع الغيرة المرضية…والشعور بالنقص.. والخوف من تفوق الآخر…خصوصا حين تكون امرأة لأنه يعلم أنه حين يحاربها سيصفق له تحت بنود إجتماعية في بعض حالات لاتميز بين مرضى النفوس والعقول فبدل أن يكون القرب حماية…يتحول إلى أداة خنق… وبدل أن تكون العائلة مساحة أمان…تصبح أقرب حلقة يمكن من خلالها قتل الفرح قبل أن يكبر….
العدالة لا تقاس بمدى فهمنا لظروف الجاني…بل بمدى حمايتها للضحايا ومنع تكرار الجريمة…وكل تساهل.. وكل تأخير…وكل تخفيف…وكل خطاب يبرر.. هو رسالة غير مباشرة تقول:يمكن الإفلات… ويمكن أن تتكرر الجريمة…
حماية المجتمع لن تكون بالتعاطف مع العنف وانما بقطع الطريق عليه….
وجب ان تكون قوانين حماية النساء بقانون رادع وخطاب واضح وموقف أخلاقي بدون مساومات..
هذه ليست قضية حادثة بعينها.. القضية الحقيقية حق في الحياة..وحق في الفرح..وحق في النجاح دون خوف…وإلى أن نقر بذلك…سيبقى الدم يبرر والضحايا تدان والفرح يغتال من أقرب الأيدي..والجريمة تعاد بأسماء مختلفة….