أخبار اليوم - لسنوات طويلة، شكّلت المواعيد الطبية المتأخرة، والازدحام في المستشفيات الحكومية، ونقص بعض الخدمات الأساسية، عنوانًا ثابتًا في شكاوى الأردنيين من القطاع الصحي. كان المرضى ينتظرون أسابيع وربما أشهر للحصول على موعد، فيما بدت المنظومة الصحية مثقلة بتراكمات إدارية وضغط بشري يفوق طاقتها، الأمر الذي خلق فجوة واضحة بين المواطن ومؤسساته الصحية، وأضعف الثقة بإمكانية التحسّن.
في تلك المرحلة، لم تكن المشكلة محصورة في نقص الإمكانات فقط، بل في غياب الإحساس الميداني بالتفاصيل اليومية لمعاناة المرضى، حيث تحوّلت المواعيد إلى عبء نفسي، وأصبح الوصول إلى الخدمة الطبية تحديًا بحد ذاته، خصوصًا لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
اليوم، ومع تولّي إبراهيم البدور حقيبة وزارة الصحة، يلاحظ متابعون للشأن الصحي تحوّلًا في طريقة التعاطي مع هذه الملفات الشائكة. فالمقاربة لم تعد تكتفي بالتشخيص المكتبي للمشكلة، بل اتجهت نحو الميدان، حيث بات الوزير حاضرًا في تفاصيل الأداء اليومي، يتابع سير العمل، ويقف على مكامن الخلل بشكل مباشر.
هذا الحضور انعكس على عدد من القضايا التي طالما أثقلت كاهل المواطنين، وعلى رأسها ملف المواعيد الطبية، الذي شهد تحسنًا ملحوظًا وفق ما يلمسه مرضى ومراجعون، سواء من حيث تقليص فترات الانتظار أو إعادة تنظيم آليات الحجز والمتابعة. ورغم أن التحديات لم تُحل بالكامل، إلا أن الفارق الأساسي يتمثل في وجود إرادة واضحة لمعالجة الخلل بدل التعايش معه.
كما برزت خلال الفترة الأخيرة لغة مختلفة في الخطاب الرسمي للوزارة، لغة تميل إلى الواقعية والاعتراف بالمشكلة بدل إنكارها، وهو ما يراه مختصون خطوة ضرورية لأي إصلاح حقيقي، لأن إدارة القطاع الصحي لا تقوم فقط على القرارات، بل على بناء الثقة مع المواطن.
في المقابل، لا يغيب عن المشهد صوت نقدي يرى أن بعض الإجراءات ما تزال دون سقف الطموح، وأن الطريق أمام الوزارة طويل، خاصة في ظل الضغط المتزايد على المستشفيات الحكومية، والنقص في الكوادر في بعض المناطق، وتفاوت مستوى الخدمات بين محافظة وأخرى. غير أن هذا النقد نفسه يعترف بأن هناك فرقًا بين مرحلة كانت فيها الشكوى تدور في حلقة مفرغة، ومرحلة بات فيها المسؤول حاضرًا للاستماع والمتابعة.
يمكن القول إن وزير الصحة الحالي يجسد، إلى حد كبير، صورة المسؤول القريب من الميدان، لا باعتبار ذلك إنجازًا نهائيًا، بل مدخلًا لإعادة ترتيب الأولويات في قطاع حيوي يمس حياة كل أردني. فالنجاح الحقيقي لن يُقاس بالتصريحات، بل بقدرة الوزارة على تحويل هذا الحضور الميداني إلى سياسات مستدامة تُنهي إرث التأخير والتعقيد، وتعيد للقطاع الصحي دوره كخط دفاع أول عن كرامة الإنسان قبل صحته.